Feeds:
تدوينات
تعليقات

المحاضرة الأخيرة

الكتاب : المحاضرة الأخيرة the last lecture
المؤلف : راندي بوتش
ترجمة وإصدار : مكتبة جرير

كيف تحقق ذاتك, كيف تطور ذاتك, عدة طرق لتغيير حياتك للأفضل, الطريقة المثلى للتوفير, كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الآخرين. وغيرها وغيرها, أسماء كتب كثيرة تمتلئ بها رفوف إحدى المكتبات, وكأن الإنسان لوحده لا يستطيع أن يتصرف بنفسه ويتكيف في هذه الحياة دون شخص يقرص أذنه ويعلمه الطريقة المثلى للعيش في هذه الحياة. هل يحتاج الإنسان الفرد لتوجيه في حياته العلمية والعملية من أجل أن يسير في هذه الدنيا المضطربة ويحقق ذاته بنفسه دون تدخل من أحد؟ لا أقصد التدخل الذي يأتي من التربية, فكل مظاهر التربية والتعليم التي انطبعت في أذهاننا منذ الصغر ستكون ذات تأثير جزئي أو مفصلي في حياة كل فرد, ولكن تبقى هناك مساحة بيضاء لم يمسها السواد بعد, تحتاج لأوامر من العقل نفسه, ومن الذات نفسها للسير قدماً في الحياة.

كنت في مكتبة جرير قبل أيام, وشاهدت ملصق دعائي كبير عن كتاب راندي بوتش “المحاضرة الأخيرة”. ابتسمت حين شاهدت هذا الملصق الذي تحول لدعاية لكتب تطوير الذات. لو كان راندي حياً لرفض أن يكون كتبه من هذه الكتب التي أرى – رأي شخصي – أنها لا تفيد ولا تحقق المنفعة من عدمها. لماذا ابتسمت؟ مم تذكرت فقط راندي بوتش حين أقام في المحاضرة الأخيرة حفلة عيد ميلاد لزوجته في وسط قاعة تضم 500 شخص, فقط لأنه لم يستطع أن يقدم حفلة ميلاد يرى أنها لم تكن جيدة لمن كانت معه طيلة أيام حياته التي أنهاها مرض سرطان البنكرياس المميت.

لعل الجميع قد سمع عنه, مجرد ما تكتب المحاضرة الأخيرة , ستجد رابط اليوتيوب في المقدمة و يحوي تسجيلاً لتلك المحاضرة التي تحولت من محاضرة أخيرة لإنسان مقبل على الموت إلى كيفية تحقيق راندي أحلام طفولته, وكيف حققها للآخرين. راندي بوتش أستاذ جامعي في علوم الكومبيوتر في جامعة كارنيجي ميلون. من الأساتذة الجامعيين الذين ألهمت ابتكاراته في العوالم الإفتراضية شركات التكنولوجيا المتقدمة وعوالم ديزني لاند, حتى أصبحت طريقة تدريسه في الجامعة مثالاً يحتذى في أغلب جامعات الولايات المتحدة الأمريكية.

قبل أن أشاهد المحاضرة قبل خمسة شهور تقريباً, كنت على يقين بأن المحاضرة ستكون حزينة لرجل مقبل على فراق الأهل والأصدقاء. ولكن كان هناك العكس بالتمام, كان ساخراً يتمتع بروح الفكاهة, ويحكي سيرة حياته, كيف استطاع أن يركب إحدى طائرات ناسا التي تنعدم فيها الجاذبية, ثم حلمه الأكبر, أن يكون من ضمن مبتكري عالم ديزني لاند.

أنا أؤيد نصائحه في الكتاب والمحاضرة لأنها ليست توجيه من عقل كتب ثم انتحر لاحقاً, بل كتب لأنه عاش وذاق كيف تكون إحدى المصاعب طريقاً آخر للنجاح بدل أن تكون طريقاً للفشل. المكان الذي لا يعنفك فيه أحد ولا تتعرض للإنتقاد فيه هو المكان الخطأ, لأنك لست بكامل, لا يوجد كمال مطلق في حياة الفرد. هي تلك القاعدة الأزلية حول الصواب والخطأ. أن تخطئ لا يعني أنك فشلت, وأن تخطئ ولا تتعرض للنقد لا يعني أنك على صواب.

يذكر راندي حكاية في الكتاب تحكي تلك العلاقة بين الصواب والخطأ. رأى راندي نادلة في شهور حملها الأولى. كانت صور أطفال راندي على شاشة الحاسب المحمول. تلمكها الإعجاب بالأطفال. ولكن, حين بارك لها راندي حملها قالت :” كلا .. ليس كما تعتقد, فقد كان حملاً غير مقصود “. حادثة عرضية قد تكون سبباً في وجود إنسان على وجه الأرض. لعبت المصادفة دوراً في أن تحمل هذه المرأة بطفل لم تكن تتعمد أن تحمل به, والذي ستحبه بلا شك فور إنجابها له, أما راندي, فلعبت المصادفة دوراً مختلفاً حيث أصيب بمرض السرطان, وسيضطر للرحيل عن هذه الدنيا تاركاً ورائها أطفال سيحرمون من حبه. ما الذي يجعلني أرفض أن تكون المحاضرة الأخيرة من ضمن قائمة تطوير الذات: الموسيقي سيصنع موسيقى لأبناءه, الرسام سيرسم لوحة لأبناءه, أما المحاضر, سينشر محاضرة لأبناءه, محاضرة أخيرة سوف يعودون إليها لاحقاً ليعرفوا كيف تحقق حلم راندي بوتش.

لم أستطع أن أمنع خيالي من التحليق بعيداً. راندي أصيب بمرض مميت رحل بسببه, وأحد العلماء كما في هذا الفيلم أعلاه, عاش مع العذاب طيلة سنين طويلة حتى أصبح العذاب مرافقاً له طيلة الحياة. ولم يمنعه من تحقيق ذاته حتى فاز بجائزة نوبل في الإقتصاد. لا زلت أتذكر تلك الساعتين التي شاهدت فيها فيلم راسل كرو “A Beautiful Mind”. نشاهد في البداية شخصيات أعتدنا وجودها في الفيلم وكأنها حقيقة, ثم ينقلب الحال حتى تُكسر جميع القوانين الرياضية وتصبح تلك الحقيقة مجرد كذب. ياللرعب! أن لا تعرف أبداً ما هو حقيقي وما هو كذب, من هو الصديق ومن هو العدو. يصبح العالم الواقعي والخيالي واحداً حتى لا تستطيع التمييز أبداً. من هو مصاب بهذا المرض, وتلقى تلك الصدمات الكهربائية من أجل التخلص من هذا المرض اللعين, هل سوف تفيده بضع أحاديث عن تطوير الذات وما شابه ذلك. إن لم يبدأ الفرد تطوير نفسه بنفسه, فلن يحقق ذاته, وإن لم يكن لديه حلم, فلن يكون لديه أشياء يستطيع التفاخر بها لاحقاً, لأن لا حلم لديه. امتلك حلمك الخاص, وحقق ذاتك بنفسك.

في آخر دقائق في المحاضرة الأخيرة لراندي بوتش, حين أنشد الحضور تهنئة عيد الميلاد لجاي, زوجة راندي, ذهبت جاي وضمت زوجها وهي تبكي. قد يكون المشهد هوليودياً بإمتياز. نعم, ذلك صحيح, كنت أفكر وأنا أشاهد هذا العناق بين زوجين سيفرقهم الموت, ماذا قالت جاي لراندي في ثانية واحدة تحديداً عندما تميل ناحية أذنه, في الكتاب كانت هناك تلك الكلمة, قالت : أرجوك.. لا تمت!. لا أنسى بالطبع أغنية All love can do في فيلم راسل كرو, بلا شك, من أجمل أغاني الأفلام التي لا تملك عند الإستماع إليها إلا أن تحلق بعيداً .. بعيداً بعيداً .. !

I will watch you in the darkness
Show you love will see you through
When the bad dreams wake you crying
I’ll show you all love can do
All love can do

في الثورة

” أمضيت سنوات كثيرة من عمري، بالتحديد: ثلاثين سنة، في دراسة الشر ! “
حنة أرندت

حنة أرندت، فيلسوفة أمريكية من أصل ألماني. ولدت عام 1906 وتوفيت 1975. تخصصت في الفلسفة في جامعة مدينة ماربورغ، وخلال الدراسة ارتبطت بعلاقة غرامية مع الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر. اضطرت إلى ترك ماربورغ، لأن هايدغر الذي اعتبرته ملكاً خاصا في مملكة التفكير، كان متزوجاً في محيط كاثوليكي محافظ، لتكمل دراستها عند الفيلسوف كارل ياسبرز في جامعة هايدلبرغ، التي قدمت فيها أطروحة الدكتوراه عام 1928. جاءت صدمة وصول النازيين إلى الحكم في ألمانيا عام 1933 لتشكل نقطة تحوّل مركزية في حياة أرندت دفعتها إلى الابتعاد عن الفلسفة بمفهومها النظري البحت والتوجه إلى العمل السياسي بشكل عملي. ولأنها يهودية، كانت الحياة في ألمانيا ضيّقة عليها إبان صعود القوى النازية فهاجرت لفرنسا، وفي عام 1941 انطلقت للولايات المتحدة. بدأت فيها عملها السياسي الحقيقي، حيث عملت صحفية، ومراجعة لغوية ومحاضرة جامعية. لكن المكانة المرموقة، التي تبوأتها أرندت في حقل العلوم السياسية، تعود في المقام الأول إلى كتابها الموسوعي: أسس التوتاليتارية, والذي ترجم جزء منه الى العربية عن دار الساقي.

صدر عن المنظمة العربية للترجمة هذه السنة كتاب “في الثورة” لحنة أرندت، لمن يريد القراءة عن الثورة بشكل عام, عن ماهيتها وأفكارها ونتائجها, وعن الثورة الفرنسية والأمريكية والفرق بينهما, هذا الكتاب قد يقدم لك ما تحتاج إليه. أحب القراءة عن الثورة الفرنسية, قرأت كتاب لويس عوض”الثورة الفرنسية” قبل سنتين, وقرأت فترة الثورة في موسوعة قصة الحضارة للمؤرخ ويل ديورانت, ولكن أي من الكتابين لم يستطع أن يسبر غور الثورة الفرنسية بمثل ما استطاعت حنة أرندت. في كتاب في الثورة تحليل ذكي جداً للظاهرة السياسية الحديثة نسبياً، وفيه تنظر أرندت في المبادئ التي تشكل أساس الثورات جميعها، بدءاً من الأمثلة الأولى في أميركا وفرنسا، مروراً بكيفية تطوّر نظرية الثورة وممارستها، وصولاً الى توقعات التغيير في العلاقة بين الحرب والثورة، وما ينتج من هذا التغيير على صعيد العلاقات الدولية.

في 13 يوليو 1789م لم تكن باريس تحلم إلا بالدفاع عن نفسها. كانت سماؤها لاتزال ملبدة بالشكوك. وفي 14 يوليو انتقلت من الدفاع إلى الهجوم, ولم تعد لديها شكوك! في المساء كان هناك اضطراب وهياج, وفي الصباح كان هناك صفاء رهيب. مع الصباح استولت على باريس فكرة, ورأى الجميع نفس الضياء. في كل نفس ضياء وفي كل قلب صوت يقول : قُم, وسوف تستولي على الباستيل!. كان ذلك شيئاً جنونياً مستحيلاً, غريباً أن يقال, ومع ذلك فقد آمن به كل الناس وقد تحقق. كانت الساعة 5.30, وارتفعت صيحة مدوية من ميدان الجريف تقول : الباستيل سقط. يختصر المؤرخ الفرنسي ميشليه هذا السقوط المدوي بهذه الرمزية لسجن الباستيل: “يجب أن يقال أن الباستيل لم يسقط ولكنه سُلم. سُلم لأن ضميره المفعم بالذنوب أقلقه! إلى حد الجنون, وجعله يفقد روحه المعنوية. “

حين سمع لويس السادس عشر من رسوله ليانكورت بسقوط الباستيل وتحرير بضعة سجناء منه, وتمرد القوات الملكية قبل وقوع الهجوم الشعبي, قال الملك في وجه رسوله “إنه تمرد”, فصححه ليانكورت قائلاً : كلا يا صاحب الجلاله .. إنها ثورة!. حين قال لويس السادس عشر أن اقتحام الباستيل هو تمرد, قد أكد على سطته وعلى الوسائل المختلفة بين يديه لمواجهة المؤامرة والتحدي الواقع على سلطانه, أما جواب ليانكورت, ف تتساءل الفيلسوفة الأمريكية – من أصل ألماني – حنة أرندت في كتاب “في الثورة”, مالذي علينا أن نراه أو نسمعه عند الإصغاء لذلك الحوار الغريب, والذي ظن ليانكورت أنه يتعذر تغييره وهو خارج عن سلطة ملك, نعرف نحن أنه لا يقاوم ويتعذر تغييره؟

إن الجواب كما تقول يبدو بسيطاً. من وراء هذه الكلمات يمكننا أن نسمع ونرى حشود الناس في مسيرتها, وكيف اقتحمت الجموع شوارع باريس التي لم تكن عاصمة لفرنسا, بل عاصمة العالم المتمدن بأسره, أن نسمع ونرى هيجان الأهالي في المدن الكبرى مختلطاً اختلاطاً عميقاً مع انتفاضة الشعب من أجل الحرية. إن هذه الحشد الذي يظهر لأول مرة في وضح النهار كان في واقع الأمر حشداً من الفقراء والمسحوقين الذين اختبأوا فيما مضى في زوايا الخزي والعار. حين نفكر بالثورة إنما نفكر بتلك السيول الثورية والتي على أمواجها المتلاطمة ولد رجال الثورة, فحملتهم بعيداً إلى أن امتصهم تيار الماء المعاكس إلى تحت الماء ليهلكوا هم وأعداؤهم رجال الثورة المضادة. تيار الثورة الجبار يتصاعد باستمرار بفعل جرائم الاستبداد من جهة, وبفعل تقدم الحرية من جهة أخرى. حركة و حركة مضادة. لم توقف إحداهما الأخرى. بل كوّنتا بطريقة غامضة تياراً واحداً من عنف يتقدم ويصب في اتجاه واحد بسرعة متزايده على الدوام. هذا التيار المهيب للحمم البركانية هو ما يعرف لا حقاً : بالثورة تأكل أبناءها. إذا أردنا أن نفهم ماهي الثورة, وما انطوت عليه عموماً بالنسبة إلى الإنسان ككائن سياسي وأهميتها السياسية بالنسبة إلى العالم الذي نعيش فيه, و دورها في التاريخ ف يجب علينا الرجوع الى اللحظات التاريخية حين بدت الثورة بأجلى مظاهرها وبدأت بنشر سحرها في عقول البشر. بعبارة أخرى علينا الرجوع الى الثورتين الفرنسية والأمريكية لفهم ماهية الثورة. كانت الثورة الفرنسية وليست الأمريكية هي التي أشعلت العالم. رغم أن الثورة الفرنسية انتهت بكارثة, فقد صنعت تاريخاً عالمياً, في حين أن الثورة الأمريكية التي كانت ناجحة بكل المقاييس قد ظلت حدثاً لا تتجاوز أهميته المحلية إلا قليلاً.

كل ظهور جديد للناس, كل فكرة جديدة تحدث تأثيراً مدوياً تحتاج إلى كلمة جديدة, سواءً جرى صياغة كلمة جديدة للتعبير عن التجربة الجديدة, أو تم استخدام كلمة قديمة وجرى إعطاؤها معنى جديداً تماماً. كانت الكمات التي تخطر على البال لوصف الثورة هي العصيان “Rebellion” أو التمرد “Revolt”. ومعناهما قد تحدد و معروف منذ العصور الوسطى المتأخرة. ولكن هاتين الكلمتين لم تشيرا أبداً إلى تأسيس حرية جديدة. كانت النظرية في القرون الوسطى تعرف العصيان المشروع, والنهوض ضد السلطة القائمة, وتعرف التحدي والتمرد. ولكن الهدف من كل هذا لم يكن اعترضاً على السلطة أو النظام القائم, بل كان دائماً تبادلاً مع الشخص الذي في السلطة. كتبادل المغتصب بالملك الشرعي أو تبادل المستبد الذي أساء استخدام سلطته بالحاكم القانوني.

كلمة ثورة في الأصل كانت مصطلحاً فلكياً اكتسب أهميته المتزايدة من خلال العالم الفلكي نيكولاس كوبرنيكوس في كتابه De revolutionibus orbium coelestium. في الشئون العملية احتفظت كلمة الثورة بمعناها اللاتيني الدقيق, مظهرة بوضوح الحركة الدائرية للنجوم, وبما أن ذلك هو خارج تأثير الإنسان, وبالنتيجة فهو لا يقاوم. الكلمة لا تشير إلى العنف, بل تشير إلى حركة دائرية متكررة. كان أصل الكملة قد نشأ في علم الفلك واستخدم على سبيل التشبيه في السياسة, فإذا استخدمت الكلمة للتعبير عن شؤون البشر على الأرض, فهي إنما تفيد بأن أشكال الحكومة القليلة المعروفة تدور بين البشر الفاني بتكرار أزلي وبالقوة ذاتها التي لا تقاوم, وتجعل النجوم تسير في الدروب المرسومة لها في السموات. حين نزلت كلمة “الثورة” من السماء لأول مرة وأدخلت في الإستعمال لتصف ما حدث على الأرض بين بني البشر الفانيين, فقد بدت بوضوح كمجاز أو استعارة, وهي تحمل الفكرة التي تفيد بحركة أزلية متكررة باستمرار لتقلبات المصير الإنساني صعوداً وهبوطاً, والتي شُبهت بالشروق والغروب للشمس والقمر والنجوم منذ الأزل.

إذا كانت هناك شخصية من شخصيات الثورة الفرنسية جسدت السيول الثورية تجسيداً كاملاً فهي في شخصية المحامي ماكسمليان روبيسبير. لم يعش سوى 36 عاما، وتولى حكم فرنسا بعد أن قتل دانتون, وبعد أن أعدم الملك لويس السادس عشر. خطيب مفوه ومنحاز للفقراء, ومؤمن بجان جاك روسو إيماناً أعمى. كانت الجماهير مفتونه به لكن كانت تخشاه لأنه كان يعرف نقاط ضعفها التي يمكن استخدامها ضدها. في كتاب الثورة الفرنسية للويس عوض تم ذكر بعض الخطب الرنانة التي كان يستخدما روبيسبير لتهييج الجماهير وإثارة مشاعرهم .

رغم أنه تولي السلطة ثلاث سنوات ثم انفرد بحكم فرنسا كحاكم مطلق لمدة عام واحد إلا أن فرنسا عاشت في ظل حكمه أسوأ عصور الإرهاب والطغيان، وأصبح الإعدام يومياً بالمقصلة من المشاهد المألوفة في باريس. وقال عنه المؤرخون أنه قتل ستة آلاف مواطن فرنسي في ستة أسابيع دون أن يهتز له ضمير!

يقول عنه المؤرخ الإنجليزي هربرت ويلز في كتابه موجز تاريخ العالم : أصبحت الثورة تحت سلطان زعيم متسلط شديد التعصب هو روبيسبير. ومن العسير علينا أن نفضي في هذا الرجل برأي. كان ضعيف البنية جباناً بفطرته، لكنه أوتي ألزم الصفات لبلوغ القوة وهي الإيمان، ومن ثم أصبحت عقيدته الراسخة أن بقاءه في الحكم هو السبيل لإنقاذ الجمهورية، وخيل إليه أن الروح الحي للجمهورية قد نشأ عن تذبيح الملكيين وإعدام الملك. ما هو الإيمان الذي أعطى روبيسبير هذه القوة الطاغية؟ حنة أرندت فندت أن تكون الثورة الفرنسية ذات صبغة دينية مسيحية. الثورات الحديثة لم تكن مسيحية في الأصل كما يقال. حجة هذا الزعم هو الطبيعة الثورية للطائفة السميحية الأولى التي أكدت على مساواة الأرواح أمام الإله, وعلى ازدرائها السلطات الدنيوية. إن العلمانية وفصل الدين عن السياسة وتصاعد دنيا المدينة ذات المنزلة الرفيعة هي عوامل جوهرية في الثورة, وعلى هذه الأساس, فالعلمانية, وليست المسيحية هي التي تشكل أصل الثورة. إذا الأصل ليس ديني صرف, ف أين يكون؟ الجواب عند روسو, ذلك الفيلسوف الذي كان روبيسبير مؤمناً به إيماناً أعمى! في الطرف المقابل للثورة الفرنسية, كان رجال الثورة الأمريكية قد اعتبروا نظرية مونتيسيكيو في الفصل بين السلطات الثلاث من أعظم الابتكارات التي طبقوها في الحكومة الجمهورية الجديدة, في حين أن هذه النظرية لم تقم إلا بدور بسيط جداًَ في فكر الثوريين الأوربيين في العصور كافة. يتساءل جون آدمز:” كيف تجعل خمسة وعشرين مليوناً من الفرنسيين الذين لم يعرفوا في السابق أي قانون سوى إرادة الملك أن يتجمعوا حول دستور واحد؟”.

الجواب عند روسو. جاذبية نظرية روسو التي شعر بها رجال الثورة الفرنسية إنما نشأت حسب تعبير أرندت لأن روسو قد وجد لهم وسيلة رائعة لوضع جموع الشعب بأكملها بموضع شخص واحد منفرد. ينطلق روسو من التجربة المعروفة بأن مصلحتين متعارضتين ستلتقيان معاً حين تواجههما مصلحة ثالثة تعارضهما معاً بالتساوي. من الناحية السياسية يفترض روسو وجود قوة جامعة لعدو مشترك. بحضور العدو فقط يمكن أن يحدث الأمر القائل: أمة واحدة غير قابلة للتجزئة. ولكن هذا العدو لا يمكن أن يظهر إلا في حالة الحرب مع عدو خارجي. روسو يبتعد أكثر من ذلك. كانت مشكلته أن يبحث عن عدو مشترك خارج حدود السياسة الخارجية, وكان الحل لديه أن مثل هذا العدو موجود في صدر كل مواطن من المواطنين! أي في إرادته الخاصة ومصلحته. عدو خفي يمكن أن يرقى إلى مصاف العدو المشترك للأمة. العدو المشترك في باطن الأمة هو المجموع الكلي لصالح المواطنين. إن الامة ليست بحاجة إلى انتظار عدو خارجي حتى يوحد جموع الشعب. وحدانية الأمة مضمونة بالقدر الذي يحمل فيه المواطن بداخله العدو المشترك! العدو المشترك هو المصلحة المعينة, ولو أن كل فرد يهب ضد نفسه في خصوصيته فسيتمكن من أن يثير في نفسه خصمه بالذات, أي الإرادة العامة, ويصبح هذا المواطن من مواطني الكيان السياسي. إن القارئ في تاريخ الثورة الفرنسية ليأخذه العجب من نكران الذات الخاص بالثوريين. التجارب الحقيقية لنكران الذات الذي قال به روسو, وفضيلة الرعب التي قال بها روبيسبير لا يمكن فهمهما من دون الأخذ بالإعتبار الدور الحاسم الذي لعبته الشفقة في عقول و قلوب الذين أعدوا الثورة الفرنسية. القوة الوحيدة التي يمكن ويجب أن توحد الطبقات المختلفة للمجتمع فتجعلها قوة واحدة هي الشعور بالشفقة لدى أولئك الناس الذين لم يقاسوا عذاباً تجاه أولئك الذين قاسوا العذاب, أي الطبقات العليا تجاه أراذل الناس.

غالباً ما يعزى التمرد ضد العقل إلى رومانسية القرن التاسع عشر, كما فُهم القرن الثامن عشر بأنه عصر العقل و التنوير. ولكن, كما تكشف أرندت سر روبيسبير: أصبحنا نقلل من شأن الدعوات السالفة لمصلحة العاطفة, ولمصلحة القلب, ولمصلحة الروح المشقوقة إلى روحين. ولمصلحة ماسماه روسو “الروح الممزقة”. إذا كان روسو هو الذي أدخل الشفقة في النظرية السياسية, فإن روبيسبير هو الذي أتى بها إلى السوق المفتوح للعموم بالعنف الذي اتسمت به خطبه الثورية العظيمة. إن الإشفاق بصفته ينبوع الفضيلة قد برهن على أنه يمتلك من طاقة القسوة أكثر من القسوة ذاتها. العلة في فضيلة وشفقة روبيسبير هي أنها فضيلة بلا حدود. ماكان ليرى في حكمة مونتيسكيو التي تقول بأنه حتى الفضيلة يجب أن تكون لها حدودها, سوى أنها رأي مأثور عن قلب بارد. إذا أخذنا الحكمة المشكوك بها الناشئة عن إدارك الأمور بعد حدوثها فسنتمكن من إدراك حكمة مونتيسكيو الناشئة عن التبصر بالأمور, ونرى كيف أن فضيلة روبيسبير الموحى بها من الإشفاق قد عاثت فساداً بالعدالة واستخفت بالقوانين منذ بداية حكمه.

دائماً ما يتردد في الفكر السياسي أن الثورة الفرنسية كانت نتيجة طبيعية لأفكار فلاسفة التنوير من فولتير و مونتيسيكيو و روسو و الموسوعة. قد لا يكون فولتير مثلاً فيلسوفاً بمعنى أنه صاحب منهج فلسفي ونظرية في الوجود والإنسان والحياة. ولا تقارن فلسفته مثلاً بفلسفات كبيرة أحدثت زلزالاً معرفياً. ولكنه بالتأكيد فيلسوف حين يمارس النقد انطلاقا من العقل. و يعتبر من الرموز الفكرية الكبيرة التي أسست لحركة التنوير الفكري الأوروبي. أرندت ترفض بالمجمل فكرة أن هؤلاء فلاسفة. أهميتهم في تاريخ الفلسفة يكاد لا يذكر. كما أن إسهامهم في تاريخ الفلسفة السياسية لا يساوي أصالة أسلافهم في القرن السابع عشر. بيد أن أهميتهم في سياق الثورة كبير جداً, وهنا تنبع شهرتهم وتأثيرهم الحاد. يكمن تأثيرهم في سياق الثورة أنهم استخدموا مصطلح الحرية بتأكيد جديد لم يكن معروفاً من قبل. الحرية العامة التي قالوا بها لم تكن حيزاً باطنياً يلجأ إليه الناس بإرادتهم فراراً من ضغوط الدنيا, إن الحرية بالنسبة لهم لا يمكن أن توجد إلا في العلن. إنها واقع دنيوي ملموس, شيء خلقه البشر لكي يستمتع به البشر وليس هبة أو قدرة. إنها المجال العام أو السوق الحرة التي كان يعرفها القدماء باعتبارها المنطقة التي تظهر فيها الحرية وتغدو مرئية للجميع. من هذا السياق نفهم هذا القول الشهير لفولتير: ” إنني مستعد أن أموت من أجل أن أدعك تتكلم بحرية مع مخالفتي الكاملة لما تقول”.

من أجمل الكتب التي تحدثت عن الثورة هو هذا الكتاب بلا شك. ولو كان لدي الوقت الكافي لتحدثت أكثر عن الفروقات بين الثورة الفرنسية والأمريكية وكيف أن الثورة الفرنسية تخطت حدود المعقول حتى أصبحت كل ثورة تقيس نفسها على المنوال الفرنسي, بينما يتم تناسي أو عدم الإكتراث للثورة الأمريكية التي كانت ناجحة, وتأثير الثورة الفرنسية في فلسفة هيجل, ودحض النظرية التي تقول بأن ماركس هو صاحب فكرة الثروة والحكم كما طرحت حنة أرندت.

أختم هذه القراءة عن الثورة الفرنسية من خالدة الروائي العظيم فيكتور هيجو” البؤساء”, إن للثورة الفرنسية كما يعبر هيجو أسبابها. إن المستقبل سوف يغفر لها غضبها, أما نتيجتها فهي العالم الأفضل, ومن ضرباتها الأشد فضاعة تنبثق ملاطفة للجنس البشري. :” الثورة الفرنسية هي المثل الأعلى مسلحاً بالسيف لا أكثر, وبتلك الحركة نفسها أوصدت باب الشر وفتحت باب الخير. نستطيع أن نقول أنها خلقت الإنسان من جديد بأن منحته نفساً ثانية, منحنه حقوقه, فبفضل الثورة تغيرت الأحوال الإجتماعية. إن الأمراض الإقطاعية لم تعد في دمنا, لم يبق شيء من القرون الوسطى في دستورنا. إننا ما عدنا نعيش في العصر الذي كانت التحالفات الداخلية تشن الغارات فيه, العصر الذي كان الناس يسمعون فيه تحت أقدامهم, العصر الذي تشققت فيه الأرض, وانفتحت فيه أبواب الكهوف, إن المعنى الثوري معنى أخلاقي, ذلك بأن الإحساس بالحق يولد الإحساس بالواجب, وقانون كل شيء هو الحرية التي تنتهي حيث تبدأ حرية الاخرين “

شمس مريم المُشرقة

لا تحزن .. يوسف عائد إلى كنعان
لا تحزن ..الخراب سيتحول إلى مروج ورد
وإن أتى الطوفان ليغرق كل حي :
لا تحزن .. لأن نوح, دليلك في الإعصار!

حافظ الشيرازي/ مقطع من الرواية.

لأول مرة أقرأ كتابين بنفس الوقت. كتاب رسول حمزاتوف “بلدي”, و رواية خالد حسيني الثانية “ألف شمس مشرقة”. أقرأ فصل من هنا, وفصل من هناك. ولا عجب أني حتى الآن لم أتعرض لتشويش, فكلا الكتابين تجمعهم ثيمة واحدة: الوطن. وإن كان كل مؤلف تحدث عن الوطن بطريقته الخاصة. حمزاتوف يمطرني شِعراً ونثراً حين يتحدث عن وطنه, عن جبال داغستان, عن سكان الجبال, وعلاقتهم بالأرض, بالهواء, بالشعر, بالكتاب, بالموسيقى, عن تسادا, والأب, وأبو طالب, ورسول, وعن الشِعر, والأغاني, و النسور: تلك الساكنة في أعالي الجبال. حين أقرا لحمزاتوف لا أستعجل في القراءة, فلا وجود لحدث درامي في الكتاب: إنها تأملات في الطبيعة البشرية لسكان الجبال, وسيرة ذاتية للمؤلف, وحالة التوحد بين المؤلف, والمُؤلف” الكتاب “.

أما خالد حسيني, والشموس المشرقة, ف يالبؤس التفاصيل الصغيرة التي تريد أن تتحدث عنها, و يخونك القلم ولا تستطيع التعبير عنها. كان حمزاتوف يرافقني لأيام, ولم أعلم أني ركنته لأسبوع متفرغاً لقراءة أنين خالد حسيني في عمله الثاني A Thousand Splendid Suns.

خالد حسيني يكتب عن أفغانستان, عن نساء أفغانستان. مريم وليلى. وحين يدور الحديث عن أفغانستان, كيف يستطيع الروائي أن يتحدث عن أفغانستان؟ هل عن الموت المنبعث من مدن القبور الحية؟ أم الفقد والحزن اللامتناهي بكل قصة أفغانية، أم عن الناس وهم يجدون طريقة ما للبقاء والاستمرار في الحياة؟

في أغلب قراءاتي الروائية, كانت مشاهد الموت هي الأكثر تأثيراً و تفضيلاً كذلك. كنت أراه الطريق للحرية الخالدة, والبدء بحياة جديدة. أو حتى تصوير الموت لدى الروائي نفسه, قد يحمل صورة سينمائية لا يقدر على كتابتها إلا العباقرة, لا تلبث بعد أن تقرأ قطعة الموت تلك أن تصرخ من أعماقك: ما أجمل هذا المشهد, ما أعظمه, ما أخلده, الله, يا ألله!. ولكن, لم أفكر يوماً بقيمة الموت نفسه كحدث يمر على إنسان ما, ويأثر على مجموعة كبيرة من البشر, و ذو مدلولات سياسية وإجتماعية. قد يكون حديثي هنا غير مفهوم, ولمن قرأ رواية خالد حسيني سيعرف بالتأكيد هذه النقطة, وعلى وجه التحديد: اللحظات الأخيرة من حياة مريم.

هذه الأنثى التي كانت عنوان للخطيئة, تمنت الكثير في لحظاتها الأخيرة. وبينما هي تغلق عينيها مودعة هذا العالم الحقير, لم يعد الأسف أو الإحساس بالحسرة والندم هو ما تشعر به, بل إحساس بطمأنينة طاغية وإيمان كامل نزلت عليها: ” فكرت في مجيئها إلى هذا العالم كابنة حرام لقروية بسيطة، شيء لم يرد له أن يكون، وحادث تافه يدعو إلى الأسف. مجرد عشبة ضارة. ومع ذلك فهي تغادر هذا العالم كامرأة أحبت وتلقت المحبة. تغادره كرفيقة، وصديقة، وحارسة، وأم، وشخص له شأن في نهاية المطاف. ورأت أن الموت بهذه الطريقة ليس بهذا السوء. هذه نهاية شرعية لحياة لم تكن بداياتها شرعية.”

في ثلاثين ربيعاً يقود خالد حسيني القارئ في رحلة أفغانستان التاريخية وتأثيراتها على نساء أفغانستان بشكل عام, ومريم وليلى بشكل خاص. من لحظة دخول الإتحاد السوفييتي أفغانستان, مروراً بالتحرير وحروب أمراء الحرب, و دخول طالبان على مسرح الحياة السياسية, ثم الحرب الشهيرة في بداية القرن الجديد بعد سقوط أبراج مركز التجارة بنيويورك. في الجزء الثاني على ما أذكر, قال والد ليلى كلمة تختصر الحالة السياسية التي عصفت بأفغانستان طوال القرن الماضي: ” ليلى ..العدو الوحيد الذي لا يمكن للأفغاني هزيمته هو نفسه.” وبالفعل, بعد الإنسحاب السوفييتي من أفغانستان اقتتلت الطوائف فيما بينها, ورفع أمراء الحرب السلاح حتى أصبحت العاصمة مدينة للأشباح, وبقايا أطلال.

بعد قراءة هذه الرواية, وبعد قراءة الشاعر العراقي الكبير أحمد مطر للرواية كذلك, هل آن الآوان لأحمد مطر أن يكتب رواية عن العراق الذي مر بويلات من الداخل والخارج لعقود طويلة؟ هناك أشياء لم تكشف, هناك أشياء يجب أن تقال! نحن لا نعرف أشياء كثيرة. نعتقد و نؤمن بأن نعرف, وفي الحقيقة أننا لا نعرف شيئاً عن حياة الإنسان البسيط في بلد تعرض للويلات. خالد حسيني برواية رشيقة استطاع أن يرسم صورة مصغرة لأفغانستان الأرض/ الإنسان : عن المظالم الإجتماعية, عن الصواريخ التي تجبر السكان على السكون في المنزل وعدم الخروج, لأيام, ولأي سبب كان, وعن إعادة البناء. في بداية الرواية نلحظ الدمار الإجتماعي قبل الدمار السياسي عندما نلحظ الحياة الغريبة لمريم في مدينة هيرات, والتي ولدت سفاحاً من أب ثري يحاول التكفير عن ذنبه بزياراته المتكررة لها. ثم نلحظ الإستقرار في كنف الزوج رشيد, والذي يكبرها بعدة سنوات, ويذيقها صنوف العذاب والحرمان. يبدو الأمر أشبه بمعادلة رياضية, علاقة مريم بزوجها رشيد هي نفس العلاقة التي تربط الإنسان الأفغاني بأمراء الحرب, والذين يصبون جام غضبهم على هؤلاء المواطنون العزل, فيذوقون مختلف صنوف العذاب من قتل وتدمير وتشريد واغتصاب.

أبطال رواية خالد حسيني هم الأطفال والنساء. إنها إشارة بأن المواطن الأفغاني لم يعد يهتم لا بأمراء الحرب, ولا بالتدخلات الدولية التي عصفت وتعصف بالبلاد من آن لآخر. حين يصور خالد حسيني آلام الأنثى عند الولادة فهو يقصد الولادة الجديدة المتعسرة لبناء بلد يجب أن يتم من قبل أبناءه, لا من قبل الأجنبي. تذكرت وأنا أقرأ آلام الولادة في أحد فصول الرواية, مشاهد آلام الولادة في الآداب الروسية. من رواية الشياطين, و رواية آنا كارينينا. كيف يستطيع الأديب – الرجل – أن يتقمص شخصية أنثوية ببراعة ويصف آلام الأنثى بكل ما فيه من مشقة وعذاب؟ أطرح هذا السؤال بعد أن قرأت أن مجنونين اثنين استطاعا وصف آلام الأنثى عند الولادة ببراعة وحتى وصف الحالة النفسية لأنثى مصابة بحمى النفاس: دستويفسكي و تولستوي, وسأضيف ثالثاً, وهو خالد حسيني في مشهد ولادة ليلى. هل يوجد قواسم مشتركة بين مشاهد تولستوي عبر رواية ” آنا كارينينا ” ورواية دستويفسكي ” الشياطين ” وخالد حسيني في رواية ” ألف شمس مشرقة “؟

أنه الإيمان .. الإيمان بالله, بالأرض, بالإنسان, بالحياة, بكل ما هو جميل على وجه هذه الأرض. في رواية خالد حسيني, كانت الآلام تصرخ في وجه من حرموا الحقوق الإنسانية البسيطة وتمسكوا بالشعارات البراقة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ظهور هذا الطفل في هذا الوقت العصيب هو لمحة من لمحات الجمال التي ستظهر في هذه الأرض, وهم على يقين بأنهم هم من سيبنون أوطانهم, ينظمون مدارسهم, ويرفعون من سقف أمانيهم. لم تعد أمانيهم كما تقول مريم في لحظات الضيق خارج الوطن, بل كما قررت ليلى أن تكون تلك الحياة في كابول الجديدة: أن يعيشوا في بيت صغير في ضواحي مدينة ما لم يسمعوا بها من قبل قط، أو في قرية نائية طرقها ضيقة وغير مرصوفة، ومحاطة بكل أنواع النباتات والشجيرات. ربما سيكون هناك ممر ما يمكنهم استخدامه ويقود إلى حقل معشب حيث يستطيع الأطفال ممارسة ألعابهم، أو ربما ستكون هناك طريق مغطاة بالحصي تقودهم إلى بحيرة زرقاء صافية. سيربون الأغنام والدجاج، وسيعدّون الخبز سوية ويعلمون الأولاد القراءة. سيرسمون لأنفسهم حياة جديدة, حياة منعزلة ومسالمة, وهناك يتخلصوا من كل الأعباء الثقيلة التي اضطروا لتحملها، ويكونوا أهلا لكل السعادة والرخاء الذي سيصادفهم.

خاتمة الرواية هادئة, وتجبر القارئ على الإبتسام والتفاؤل بغض النظر عن عذابات الشموس المشرقة. بعيداً عن علاقة الزوجة بالزوجة الثانية,”ليلى و مريم”, وبعيداً عن كل شيء .. كل شيء, يدور الحديث في عائلة طارق وليلى عن اسم الصبي الكائن في أحشاء ليلى, طارق الزوج يريد محمد، وزلماي الإبن لا يعرف سبب عدم إمكانية إطلاق اسم كلارك على طفل أفغاني، وعزيزة الفتاة تريد اسم أمان، أما ليلى لزوجة فتفضل عمر. لكن ماذا لو كانت فتاة؟ “إن كان الذي في بطنها فتاة فقد اختارت ليلى الاسم من قبل: مريم.

ميراندا والعاصفة

” أوه, يا أبي العزيز .. إذا كنت قد أثرت بقدرتك هياج هذه المياة الطاغية, أرجوك أن تأمرها بالهدوء .. لقد تألمت مع من أبصرتهم يتعذبون في السفينة المترنحة التي تكاد تكون حطاماً. وهي تحمل إنساناً مثلك!. آه ! كم تعالت صيحات الذعر من أفواه الخائفين. وتجاوبت أصداءها في قلبي الحزين جراء محنتهم. لو كنت آلهة ولي سلطان, لدفنت البحر برمته في بطن الأرض, ولم أدع هذا المركب الرائع يغرق في أعماق هذه اللجة الهائمة, مع حمولتها الوافرة من النفوس الغالية “

شكسبير/ العاصفة

إذا ألقينا نظره بسيطة عن علاقة الصورة والأدب سنجد ما يدعو للذهول والإعجاب. هي علاقة طردية, فكما هو الأدب يضفي على الفن التشكيلي من تصورات وأفكار, يأتي الفن التشكيلي كذلك بإضافة قيمة جمالية لا تقل على الإطلاق في فتح أفاق أوسع للكتابة, إما عن طريق كتابة رواية قائمة على لوحة تشكيلية, أو قراءة اللوحة قراءة أدبية أو حتى شعر. هناك أعمال روائية خالدة أخذ الفن التشكيلي منها الإلهام لتخليد أبطال من الورق, وأصبحوا خالدين ومشاهدين على الدوام. ومثالي على ذلك الأديب الأسباني الكبير سيرفانتس, الذي أصبح بطل روايته الخالدة ” دون كيشوت دي لامنشا ” – ساحة جذب للفن التشكيلي ومصدر إبداع للرسامين التشكيليين. تحول هذا البطل الذي يمتطي حصانه ومعه خادمه ” سانشو ” إلى رمز فني, يثير مخيلة المبدعين. لنترك دون كيشوت الآن , ولنشاهد مثال آخر عظيم عن العلاقة الجمالية بين الأدب والفن التشكيلي. لا يخفى على الجميع ما يمثله أعظم أديب في تاريخ إنجلترا ويليام شكسبير في دنيا الأدب والفن. فكما كان الدون كيشوت مصدر جذب للفن التشكيلي, فإن شخصيات مسرحيات شكسبير الشهيرة تحولت هي الأخرى لمصدر جذب ومساحة حرة لفنانين يرون في هذه الشخصيات قيمة إبداعية وجمالية, مثل : الرسام الرائع جون وليام ووترهاوس, و فورد مادوكس براون, و هنري فوسلي, و ثيودور كاسيريو, ولويليام هاميلتون, وغيرهم. إذا كان الأدب يهذب الإنسان في أطباعه وسلوكه, فإن الفن يكسوه بالجمال.

في هذه اللوحة الرياح تعصف بالبحر, وكأن هناك حرباً مستعرة بين تلك الرياح وتلك السفينة التي يناضل بحارتها و ربانها من أجل الحياة. لم انتبه للسفينة إلا بعد قراءة مسرحية العاصفة لشكسبير, والتي على أساسها رسم الرسام جون وليام ووترهاوس هذه اللوحة “ميراندا والعاصفة”. حين شاهدت هذه اللوحة للمرة الأولى كنت مأخوذاً بشعر ميراندا المتناثر المتجه باتجاه الريح وهي تحاول أن تقبض عليه حتى لا تستحيل الرؤية. ويدها اليسرى على صدرها وهي لا تصدق ما تراه أمامها من صراع بين الطبيعة والإنسان من أجل الحياة.

مسرحية العاصفة لشكسبير هي آخر أعمال شكسبير الكوميدية, وتتحدث عن بروسبارو دوق ميلانو الشرعي وابنته ميراندا, والذين يعيشان منفيين في جزيرة نائية. كان يعيش مع بروسبارو روح ساحرة “أريال” تعمل على طاعته وخدمته, فتسبب الرياح التي يقذفها أريال بأمر بورسباور جنوح السفينة إلى تلك الجزيرة. وتضم هذه السفينة جميع أعداء بروسبارو الذين اغتصبوا حقه الشرعي في حكم ميلانو: مثل أنطونيو, أخو بورسبارو ومغتصب الحكم. وملك نابولي آلونزو وشقيقه سيبستيان, وابنه فرديناند. عندما تتعرف ميراندا على فرديناند تقع في غرامه, وحين يرى الأب ذلك الحب الشفاف بين العاشقين يعفي عن أعدائه, ويتخلى عن السحر ويعود الجميع من حيث ولدوا: إلى نابولي. المسرحية قصيرة من خمسة فصول, كل فصل يتضمن مشهدين. هذه أول قراءة لشكسبير بالنسبة لي, وأول قراءة لمسرحية كذلك. قراءة المسرحية تختلف اختلاف تام عن الرواية. حين يتحاور أبطال المسرحية فيما بينهم فشلت في معرفة من المتحكم بسير الأمور وكيف حدث ما حدث. السبب في ذلك يرجع إلى ما يمكن أن يكون: بالمشهدية في المسرح. يجب أن يكون المشهد حاضراً أمامي وأتخيل في ذهني أشكال الشخصيات وهي تدخل المسرح وتخرج, أو حتى أتخيل سيمياء أبطال المسرحية.

المسرحية تطرح فكرة أن القوة والعلم يجب أن تجتمع في الرجل القوي الحاكم. العلم بدون قوة قد يحول الإنسان مثل بورسبارو إلى شخص منفي لا حول له ولا قوة. والقوة بدون علم قد تحول الإنسان إلى أنطونيو الذي استولى على الحكم, و وجد نفسه بلا حول ولا قوة في السفينة. يجتمع العلم والقوة في شخص بورسبارو في الجزيرة حين يُسخر تبحره في السحر و الشعوذة إلى قوة هائلة استطاع بها أن يعطى لأخيه درساً قاسياً.

قرأت قبل ثلاثة أشهر رواية الخفة الغير محتملة للكينونة لميلان كونديرا. كنت أنوي أن أكتب قراءة حتى لو بسيطة ولم أستطع. لم تعجبني الرواية وأزعجتني كثيراً. سأبتعد عن الجانب الفلسفي في الرواية – فلسفة التكرار الأبدي لنيتشه – لأنه ممتع في الرواية, واتفق مع كل من قرأ الرواية أنها فلسفية بامتياز. لكن, أن يدخل الجنس هكذا بين صفحة وأخرى بدون أن يكون لديك قضية مركزية أو شيء تستند عليه. هنا أنا أتوقف. أتذكر في أحد فصول الرواية, بين صفحة وصفحة جنس, وبين السطر والسطر جنس, حتى أصبح الجنس يحتل الرواية على وجه العموم. لو لدي السلطة لحذفت أغلب أجزاء الرواية وتركت الفصل الأخير”ابتسامة كارينينا”. هذا الفصل ممتع جداً, بل مذهل وغير طبيعي. لا يكتبه إلا العباقرة والمجانين. لست ضد الجنس كعمل فني. هو أحد الأدوات الفنية في الأخير وبإمكان كل كاتب أن يستخدمه متى أراد. الذكي والمبدع هو من يعرف متى يستخدمه وكيف, مثل جوزيه ساراماغو في رواية العمى.

كُنت أخشى أن تكون أغلب أعمال كونديرا على شاكلة الخفة الغير محتملة. عندها, قد أطوي صفحة كونديرا بالتمام. كنت أقلب قبل أيام بعض أعمال كونديرا وتذكرت العمل الأدبي الذي حصلت عليه من معرض الرياض قبل سنتين ولم أقرأ عنه شيئاً من ذلك اليوم: أقصد رواية الخُلود. لن أنكر أن ميلان كونيدرا هذه المرة صدمني, وأنا أطوي رواية الخلود الآن, أقسى من المرة الماضية, ولكن هذه المرة بإعجاب فائق. بل لا أبالغ أن حدسي الذي قال أن من يكتب فصل ابتسامة كارينينا في الخفة الغير محتملة للكينونة هو مجنون وعبقري, وبالفعل: كونديرا في رواية الخلود عبقري إلى درجة لا تعقل. في بداية هذا المقال كنت أنتقد ميلان كونديرا وتركيزة على النزعة الإيروتيكية(الجنسية) في الخفة الغير محتملة. ها أنا أشيد بنزعة ميلان كونديرا الإيروتيكية في رواية الخلود. يحق له في هذا العمل أن يتفرد بتلك النزعة ويكتب عن الجسد و يصوره ما لا يقدر عليه إلا المجانين. هذه النزعة التي تصدم القارئ تشير في وجهها الآخر إلى موت مشاعر الحب الجميلة والعميقة والجوهرية في أعماق الإنسان.

” يخرب بيتك يا كونديرا كيف تبيني أكتب عن روايتك ؟!”

بالفعل, أنا جداً حاقد على كونديرا. لا يترك لي المجال لكي أكتب عن جمال هذه الرواية, أو حتى أن أروي عنها. لو سألني أحد ما هل فهمت ماذا يريد كونديرا, سأقسم أني أعرف الرواية من البداية والنهاية, وأعرف أبطالها وكل شيء عنها. ولو سألني أحد ما هل تستطيع أن تكتبت عن الرواية, سأقسم أني لا أستطيع كذلك لأن هذه الرواية بالذات: “رواية الخلود” لا تروى. ولا أتوقع أن يكتب أحداً ما قراءة يروي فيها الرواية. كيف ؟ ولماذا ؟ هذا السؤال يفتح المجال واسعاً للحديث عن فن الرواية, وتحديداً فن رواية كونديرا. في رواية الخلود كونديرا يهز الأسس الكلاسيكية الثابتة لرواية القرن التاسع عشر, وكأنه يمسك بمطرقة حديدية, ويبدأ بالأسس الأولى والثانية والثالثة حتى يحطم هذا البناء الروائي القديم, ويقدم أسس جديدة لرواية لا تروى قائمة على مبدأ التأليف الموسيقي أو هندسة العمارة. الرواية يجب أن لا تشبه سباق دراجات, بل يجب أن تكون وليمة تقدم فيها كمية من الأطباق. الجمال في عالم كونديرا هو دائماً ما هو موجود في مكان منزو, ما هو مقفر, وغزته أشواك العليق. الرواية التي يقرأها القارئ يجب أن تتلذذ بالبطء والانعطافات, تضاعف الإستطرادات, والفواصل الزمنية, والوقفات الفلسفية. إنها تتصرف إجمالاً كما لو أن لدى المؤلف والقارئ وقتاً يضيعانه ولا يحسبان خُطاهما, ولا يعشقان شيئاً أكثر من التوقف في لحظة لأجل التحدث والنظر إلى المشهد كما يقول فرانسوا ريكار.

اقتبس هذا الحوار بين الراوي وأحد الأبطال من الرواية, يجب أن أشير أن الروائي ميلان كونديرا هو أحد أبطال روايته الخلود :

- مالذي تكتبه بالضبط؟
- إنه غير قابل لأن يُروى. في أيامنا ينقضون على كل ما يُكتب لكي يحولوه إلى فيلم أو مسلسل تلفزيوني أو رسوم متحركة. لأن الشيء الجوهري في الرواية هو ما لا يمكن قوله إلا في الرواية, وفي كل اقتباس لا يبقى سوى الشيء الغير جوهري. وفي هذه الأيام, على كل من يتوافر لديه القدرُ الكافي من الجنون لكي يستمر في كتابة الروايات, أن يكتبها بطريقة تجعل اقتباسها متعذراً. حماية لها, بعبارة أخرى, تجعلها غير قابلة لأن تروى. أنا مثلك أحب الكسندر دوما. ومع ذلك آسف لأن جميع الروايات المكتوبة هذه الأيام تقريباً, تتقيد أكثر من اللازم بقاعدة وحدة الفعل. أعني أنها جميعاً قائمة على تسلسل سببي وحيد للأفعال والأحداث. هذه الروايات تشبه شارعا ضيقاً تُلاحق الشخصيات على طوله بضربات السوط. التوتر الدرامي هو اللعنة الحقيقية للرواية لأنه يحول كل شيء, حتى أجمل الصفحات, وحتى المشاهد والملاحظات الأكثر مفاجأة, إلى مجرد مرحلة تقود إلى الخاتمة النهائية. حيث يتركز معنى كل ما سبق. وإذ تُلتهم الرواية بنار توترها الخاص ذاته, فإنها تمحق مثل حزمة من القش.

رغم أن الفلسفة الرئيسية في الرواية هي الخلود, إلا أن كونديرا لا يتوقف عن تقديم أشهى أطباقه كما يقول في الرواية. بعيداً عن أبطال الرواية الرئيسيون, نجد الشاعر الألماني الكبير غوته, والروائي الأمريكي الكبير همنجواي, ونابليون بونابرت أطراف أساسية في الرواية, تتناقش فيما بينها, وكل ذلك بسبب الخلود. ليس المقصود هنا الإيمان بخلود الروح. بل نوع آخر من الخلود, دُنيوي, لمن يبقون في ذاكرة الأجيال اللاحقة. الناس غير متساوين أمام الخلود كما يقول كونديرا. الخلود الكبير, هي ذكرى إنسان في ذهن من لم يعرفوه. ثمة مهن تضع الإنسان دفعة واحدة أمام الخلود الكبير, صحيح أنها مؤكد, بل بعيد الإحتمال, لكنه ممكن بلا ريب. إنها مهنة الفنان ورجل الدولة. وقد لا يكون الخالد فناناً ولا حتى إنساناً. مثل ضابط الجماركِ الذي ضايقَ الفيلسوف الشهير فولتير حتى صَفَعهُ على خدِه؟ أو حتى كلبُ مدينةِ إفسس. همنجواي في الرواية, يتحدث مع الشاعر الألماني غوته عن الخلود كعذاب أبدي أجبره على الإنتحار. أي بما معنى, أن القارئ والكتّاب بدل أن يكون محور أحاديثهم عن أعمال الفنان الأدبي الخالد, ينقلب الحديث إلى نفس الشخص الخالد, بدل أن تؤلف كتب عن أعماله, تؤلف كتب عن حياته. إنه الخُلود كما يقول غوته, الخُلود دعوة أبدية.

” أنا لا أبالي بالخُلود. كنت أتلذذ بالقصص التي تنشر على حسابي, ولكن صدقني, مهما بلغت من التبجح, فلم أكن وحشاً. لم أفكر كثيراً بالخلود! في اليوم الذي عرفت فيه بأنني مراقب تملكني الجزع. نصحت الناس مائة مرة بعدم التدخل في حياتي. استقريت في كوبا هرباً منهم. وحين أعطوني جائزة نوبل رفضت الذهب إلى استوكهولم. أقول لك إني لا آبة بالخلود, بل وأكثر من ذلك: في اليوم الذي انتبهت فيه بأن الخلود يضمني بين ذراعيه, كان الرعب الذي شعرت به بسبب ذلك أسوأ حتى من الرعب من الموت نفسه. يستطيع الإنسان أن يضح حداً لحياته, لكن لا يستطيع أن يضع حداً لخلوده! عندما يأخذك على سفينته لن تستطيع النزول منها ثانية أبداً!”. بين العصر القديم والجديد: هل تغيرت خصائص الخلود في عصر الكاميرات؟ يجيب كونديرا أنها لم تتغير في العمق, لأن آلات التصوير قبل أن تُخترع كانت موجودة بجوهرها المجرد. ودون أن تصوب نحو الناس أية عدسة تصوير. كانوا يتصرفون كما لو أنهم يُصورون.

ميزة أخرى تعطي العمل هذه القوة وهذا الجمال. لا أستبعد, بل أنا مؤمن بأن كونديرا من كبار القراء في العالم, في الخلود نقرأ دستويفسكي و رواية الأبله, وعن تاريخ فرنسا السياسي والأدبي, وعن الموسيقى الأوروبية, والشعر والملاحم الأدبية الأوروبية: ريلكه, غوته, همنجواي, دستويفسكي, تولستوي, بيتهوفن. سحر. جمال. موسيقى. تصوير من كل الزوايا للموت, وآه للروس .. بلاد الروح, وآه ل آنييس بطلة رواية الخلود !

عندما تذهب للنزهة في الجبل قبل أن تغادر جبال الألب. بدلاً من ركوب سيارتها والسفر إلى فرنسا. فعلت ذلك استجابة لجمال الأمكنة وهدوئها, ولكن أيضاً بشكل أعمق, لكي تستسلم للحنين, وترى بوضوح ما كانت تعرفه دوماً على نحو لا شعوري, ذلك الشيء الذي لا قيمة له : الدروب

” الدروب : شريط من الأرض نمشي فوقه على الأقدام. الطريق شيء مختلف عن الدرب. ليس فقط لكونه يُقطع بالسيارة, بل لكونه مجرد خط يربط نقطة بأخرى. ليس الطريق بذاته أي معنى. الشيء الوحيد الذي له معنى هو النقطتان اللتان يصل بينهما. الدرب تكريم للمكان. كل جزء من الدرب له معنى ويدعونا للتوقف. الطريق إنقاص مظفر لقيمة المكان الذي لم يعد سوى إعاقة لتحركات الإنسان, إضاعة للوقت. اختفت الدروب من روح الإنسان حتى قبل أن تختفي من المنظر: لم يعد الإنسان يرغب بالسير في الدروب واستخلاص المتعة من ذلك. لم تعد حياته درباً أيضاً, بل طريقاً. المنظر الجميل في عالم الطرقات يعني: جزيرة من الجمال متصلة مع جزر أخرى من الجمال بخط طويل .. في عالم الدروب, الجمال شيء مستمر ومتغير دوماً, يقول لنا عند كل خطوة: توقف!.”

اقتباسات من الرواية:

” جميعنا, في جزء ما من أنفسنا, نعيش وراء الزمن. ربما أننا لا نعي عمرنا إلا في لحظات استثنائية, وأننا معظم الوقت أشخاص بلا أعمار “

” من شدة مراقبتي لنفسي في المرآة انتهى بي الأمر إلى الإعتقاد بأن ما أراه هو أنا. ليس لدي سوى ذكرى غامضة عن تلك الفترة. لكني أعرف عن أكتشافي, لأني لا بد أنه كان فاتناً. أما فيما بعد, فتأتي لحظة تقف فيها أمام المرآة وتقول فيها لنفسك: هل هذا بالفعل أنا؟ولماذا؟ لماذا علي أنا أتضامن مع هذا الشيء؟ ماذا يعني هذا الوجه؟ وانطلاقاً من هنا, يبدأ كل شيء بالإنهيار .. كل شيء يبدأ بالإنهيار.”

” هل يوجد حب للفن؟ هل وُجِد أبداً؟ أليس وهماً؟ حين أعلن لينين عن حبه لمقطوعة بيتهوفن الأباسيوناتا, ما الذي كان يحبه في الحقيقة؟ ما الذي كان يسمعه؟ الموسيقى؟ أم صخباً نبيلاً يذكره بالإضطرابات الفخمة لروحِهِ المولعة بالدم والأخوة والشنق والعدالة والمطلق؟ هل كان يسمع الموسيقى أم يدعها فقد تدخل إلى نفسه, في أحلام يقظة لا صلة لها بالفن ولا بالجمال؟ “

” ماهو الشرط الأبدي للمآسي؟ وجود المثل العليا, التي تُثمن قيمتها على أنها أرفع من قيمة الحياة الإنسانية. وما هو شرط الحروب؟ إنه الشيء نفسه. أنت تُجبر على الموت لأن هناك, على ما يبدو, شيئاً ما أرفع من حياتك. لا يمكن للحرب أن توجد إلا في عالم المأساة. ومنذ بداية التاريخ لم يعرف الإنسان غير العالم المأساوي وليس قادراً على الخروج منه. لا يمكن إغلاق عصر المأساة إلا بثورة للهو. “

” ليس الإنسان شيئاً آخر سوى صورته. يستطيع الفلاسفة جداً أن يشرحوا لنا بأن رأي العالم لا يهم كثيراً, وأن الشيء المهم هو ما نحن عليه. لكن الفلاسفة لا يفقهون شيئاً. فطالما نعيش بين الناس سوف نكون ما يعتبرنا الناس. وحين نتساءل باستمرار كيف يرانا الآخرون, ونجتهد لكي نبدو ألطف ما بوسعنا, نُعتبر منافين أو ماكرين. ولكن, هل يوجد بين أناي وأنا الآخر احتكاك مباشر خارج وساطة العيون؟ هل يمكن التفكير بالحب دون الملاحقة القلقة لصورة الشخص الخاصة في فكر الشخص المحبوب؟ الكف عن الإهتمام بالصورة التي يرانا بها الآخر, يعني أننا لم نعد نحبه .. الحقيقة الوحيدة التي تُعتبر شبه سهلة الإدراك والوصف: هي صورتنا في عيون الآخرين. والأسوأ هو أنك لست بسيدها. تحاول في بداية الأمر رسمها بنفسك, ومن ثم, على الأقل بتأثير أو إشراف عليها, تكفي عبارة سيئة النية لكي تحولك إلى الأبد إلى كاريكاتير يدعو للرثاء “

“هناك بشر كثيرون وأفكار قليلة, إننا إذ ننقل أفكارنا أو نقتبسها أو يسرقها أحدنا من الآخر, نفكر جميعاً بالشيء نفسه تقريباً. أما حين يدوس شخص ما فوق قدمي, فأنا وحدي من يحس بالألم. ليس الفكر هو أساس الأنا, بل الألم! أكثر الأحاسيس أولية. في الألم لا يمكن حتى للقطة أن تشك بأناها الفريدة وغير القابلة للتبديل. عندما يصبح الألم حاداً, يتلاشى العالم ويبقى كل واحد منا وحيداً مع نفسه: الألم هو المدرسة الكبرى للأنانية!. عندما رأى الأمير ميشكين – بطلة رواية الأبله لدستويفسكي – ناستاسيا فيليبوفنا للمرة الأولى, قال : لا بد أن هذه المرأة تألمت كثيراً. تصرح هذه الكلمات دفعة واحدة, حتى قبل أن نرى ناستاسيا فيليبوفنا شخصياً, بأنها تحتل موقعاً أعلى من الآخرين جميعاً. في الفصل الخامس عشر من الجزء الاول يقول الأمير ميشكين لناستاسيا مفتوناً : أنا لست شيئاً, أما أنتِ, أنتِ قد تألمتِ. ومنذ لك الوقت شعر أنه هالك!. “

” تعرفون هذا الموقف: فوق المنصة, يغمض عازف الكمان عينيه, ويدع العلامتين الأوليين ترنان طويلاً. يغمض المستمع عينيه بدوره, يتنهد وقد شعر أن روحه تُوسع له صدره: كم هذا جميل!. مع ذلك, فإنه لم يسمع أكثر من علامتين بسيطتين لا يمكن أن تحتويا بذاتهما على أي فكر للمؤلف, أي قصد خلاق, وبالتالي أي فن أو جمال. لكن هاتين العلامتين لا مستا قلب المستمع, ففرضتا الصمت على عقله وكذلك على محاكمته الجمالية. مجرد صوت موسيقي يؤثر فينا بالطريقة نفسها تقريباً التي تؤثر فيها نظرة الأمير ميشكين – بطل رواية الأبله لدستويفسكي – المحدقة بامرأة. الموسيقى: مضخة تنفخ بواسطتها الروح, فتحوم الأرواح المتضخمة المتحولة إلى بالونات هائلة, تحت سقف قاعة الحفل الموسيقي, وتتصادم فيما بينها في هرج لا يصدق.”

” تذكرت لحظة غريبة عاشتها ذلك اليوم بالذات. آنييس .. في نهاية بعد الظهيرة, عندما ذهبت لتتنزه مرة أخرى في الريف, عندما وصلت قرب جدول, تمددت فوق العشب, بقيت ممدة وقتاً طويلاً هناك, معتقدة أنها تشعر بالتيار يخترقها حاملاً معه كل عذاب وقذارة. أناها. كانت لحظة غريبة لا تنسى: نسيت أناها, فقدت أناها, تحررت منها, وهناك كانت السعادة.”

رواية الخُلود: ميلان كونديرا.
ترجمة : روز مخلوف.
إصدار : دار ورد.

« التدوينات الأحدث - Older Posts »