
قرأت قبل ثلاثة أشهر رواية الخفة الغير محتملة للكينونة لميلان كونديرا. كنت أنوي أن أكتب قراءة حتى لو بسيطة ولم أستطع. لم تعجبني الرواية وأزعجتني كثيراً. سأبتعد عن الجانب الفلسفي في الرواية – فلسفة التكرار الأبدي لنيتشه – لأنه ممتع في الرواية, واتفق مع كل من قرأ الرواية أنها فلسفية بامتياز. لكن, أن يدخل الجنس هكذا بين صفحة وأخرى بدون أن يكون لديك قضية مركزية أو شيء تستند عليه. هنا أنا أتوقف. أتذكر في أحد فصول الرواية, بين صفحة وصفحة جنس, وبين السطر والسطر جنس, حتى أصبح الجنس يحتل الرواية على وجه العموم. لو لدي السلطة لحذفت أغلب أجزاء الرواية وتركت الفصل الأخير”ابتسامة كارينينا”. هذا الفصل ممتع جداً, بل مذهل وغير طبيعي. لا يكتبه إلا العباقرة والمجانين. لست ضد الجنس كعمل فني. هو أحد الأدوات الفنية في الأخير وبإمكان كل كاتب أن يستخدمه متى أراد. الذكي والمبدع هو من يعرف متى يستخدمه وكيف, مثل جوزيه ساراماغو في رواية العمى.
كُنت أخشى أن تكون أغلب أعمال كونديرا على شاكلة الخفة الغير محتملة. عندها, قد أطوي صفحة كونديرا بالتمام. كنت أقلب قبل أيام بعض أعمال كونديرا وتذكرت العمل الأدبي الذي حصلت عليه من معرض الرياض قبل سنتين ولم أقرأ عنه شيئاً من ذلك اليوم: أقصد رواية الخُلود. لن أنكر أن ميلان كونيدرا هذه المرة صدمني, وأنا أطوي رواية الخلود الآن, أقسى من المرة الماضية, ولكن هذه المرة بإعجاب فائق. بل لا أبالغ أن حدسي الذي قال أن من يكتب فصل ابتسامة كارينينا في الخفة الغير محتملة للكينونة هو مجنون وعبقري, وبالفعل: كونديرا في رواية الخلود عبقري إلى درجة لا تعقل. في بداية هذا المقال كنت أنتقد ميلان كونديرا وتركيزة على النزعة الإيروتيكية(الجنسية) في الخفة الغير محتملة. ها أنا أشيد بنزعة ميلان كونديرا الإيروتيكية في رواية الخلود. يحق له في هذا العمل أن يتفرد بتلك النزعة ويكتب عن الجسد و يصوره ما لا يقدر عليه إلا المجانين. هذه النزعة التي تصدم القارئ تشير في وجهها الآخر إلى موت مشاعر الحب الجميلة والعميقة والجوهرية في أعماق الإنسان.
” يخرب بيتك يا كونديرا كيف تبيني أكتب عن روايتك ؟!”
بالفعل, أنا جداً حاقد على كونديرا. لا يترك لي المجال لكي أكتب عن جمال هذه الرواية, أو حتى أن أروي عنها. لو سألني أحد ما هل فهمت ماذا يريد كونديرا, سأقسم أني أعرف الرواية من البداية والنهاية, وأعرف أبطالها وكل شيء عنها. ولو سألني أحد ما هل تستطيع أن تكتبت عن الرواية, سأقسم أني لا أستطيع كذلك لأن هذه الرواية بالذات: “رواية الخلود” لا تروى. ولا أتوقع أن يكتب أحداً ما قراءة يروي فيها الرواية. كيف ؟ ولماذا ؟ هذا السؤال يفتح المجال واسعاً للحديث عن فن الرواية, وتحديداً فن رواية كونديرا. في رواية الخلود كونديرا يهز الأسس الكلاسيكية الثابتة لرواية القرن التاسع عشر, وكأنه يمسك بمطرقة حديدية, ويبدأ بالأسس الأولى والثانية والثالثة حتى يحطم هذا البناء الروائي القديم, ويقدم أسس جديدة لرواية لا تروى قائمة على مبدأ التأليف الموسيقي أو هندسة العمارة. الرواية يجب أن لا تشبه سباق دراجات, بل يجب أن تكون وليمة تقدم فيها كمية من الأطباق. الجمال في عالم كونديرا هو دائماً ما هو موجود في مكان منزو, ما هو مقفر, وغزته أشواك العليق. الرواية التي يقرأها القارئ يجب أن تتلذذ بالبطء والانعطافات, تضاعف الإستطرادات, والفواصل الزمنية, والوقفات الفلسفية. إنها تتصرف إجمالاً كما لو أن لدى المؤلف والقارئ وقتاً يضيعانه ولا يحسبان خُطاهما, ولا يعشقان شيئاً أكثر من التوقف في لحظة لأجل التحدث والنظر إلى المشهد كما يقول فرانسوا ريكار.
اقتبس هذا الحوار بين الراوي وأحد الأبطال من الرواية, يجب أن أشير أن الروائي ميلان كونديرا هو أحد أبطال روايته الخلود :
- مالذي تكتبه بالضبط؟
- إنه غير قابل لأن يُروى. في أيامنا ينقضون على كل ما يُكتب لكي يحولوه إلى فيلم أو مسلسل تلفزيوني أو رسوم متحركة. لأن الشيء الجوهري في الرواية هو ما لا يمكن قوله إلا في الرواية, وفي كل اقتباس لا يبقى سوى الشيء الغير جوهري. وفي هذه الأيام, على كل من يتوافر لديه القدرُ الكافي من الجنون لكي يستمر في كتابة الروايات, أن يكتبها بطريقة تجعل اقتباسها متعذراً. حماية لها, بعبارة أخرى, تجعلها غير قابلة لأن تروى. أنا مثلك أحب الكسندر دوما. ومع ذلك آسف لأن جميع الروايات المكتوبة هذه الأيام تقريباً, تتقيد أكثر من اللازم بقاعدة وحدة الفعل. أعني أنها جميعاً قائمة على تسلسل سببي وحيد للأفعال والأحداث. هذه الروايات تشبه شارعا ضيقاً تُلاحق الشخصيات على طوله بضربات السوط. التوتر الدرامي هو اللعنة الحقيقية للرواية لأنه يحول كل شيء, حتى أجمل الصفحات, وحتى المشاهد والملاحظات الأكثر مفاجأة, إلى مجرد مرحلة تقود إلى الخاتمة النهائية. حيث يتركز معنى كل ما سبق. وإذ تُلتهم الرواية بنار توترها الخاص ذاته, فإنها تمحق مثل حزمة من القش.
رغم أن الفلسفة الرئيسية في الرواية هي الخلود, إلا أن كونديرا لا يتوقف عن تقديم أشهى أطباقه كما يقول في الرواية. بعيداً عن أبطال الرواية الرئيسيون, نجد الشاعر الألماني الكبير غوته, والروائي الأمريكي الكبير همنجواي, ونابليون بونابرت أطراف أساسية في الرواية, تتناقش فيما بينها, وكل ذلك بسبب الخلود. ليس المقصود هنا الإيمان بخلود الروح. بل نوع آخر من الخلود, دُنيوي, لمن يبقون في ذاكرة الأجيال اللاحقة. الناس غير متساوين أمام الخلود كما يقول كونديرا. الخلود الكبير, هي ذكرى إنسان في ذهن من لم يعرفوه. ثمة مهن تضع الإنسان دفعة واحدة أمام الخلود الكبير, صحيح أنها مؤكد, بل بعيد الإحتمال, لكنه ممكن بلا ريب. إنها مهنة الفنان ورجل الدولة. وقد لا يكون الخالد فناناً ولا حتى إنساناً. مثل ضابط الجماركِ الذي ضايقَ الفيلسوف الشهير فولتير حتى صَفَعهُ على خدِه؟ أو حتى كلبُ مدينةِ إفسس. همنجواي في الرواية, يتحدث مع الشاعر الألماني غوته عن الخلود كعذاب أبدي أجبره على الإنتحار. أي بما معنى, أن القارئ والكتّاب بدل أن يكون محور أحاديثهم عن أعمال الفنان الأدبي الخالد, ينقلب الحديث إلى نفس الشخص الخالد, بدل أن تؤلف كتب عن أعماله, تؤلف كتب عن حياته. إنه الخُلود كما يقول غوته, الخُلود دعوة أبدية.
” أنا لا أبالي بالخُلود. كنت أتلذذ بالقصص التي تنشر على حسابي, ولكن صدقني, مهما بلغت من التبجح, فلم أكن وحشاً. لم أفكر كثيراً بالخلود! في اليوم الذي عرفت فيه بأنني مراقب تملكني الجزع. نصحت الناس مائة مرة بعدم التدخل في حياتي. استقريت في كوبا هرباً منهم. وحين أعطوني جائزة نوبل رفضت الذهب إلى استوكهولم. أقول لك إني لا آبة بالخلود, بل وأكثر من ذلك: في اليوم الذي انتبهت فيه بأن الخلود يضمني بين ذراعيه, كان الرعب الذي شعرت به بسبب ذلك أسوأ حتى من الرعب من الموت نفسه. يستطيع الإنسان أن يضح حداً لحياته, لكن لا يستطيع أن يضع حداً لخلوده! عندما يأخذك على سفينته لن تستطيع النزول منها ثانية أبداً!”. بين العصر القديم والجديد: هل تغيرت خصائص الخلود في عصر الكاميرات؟ يجيب كونديرا أنها لم تتغير في العمق, لأن آلات التصوير قبل أن تُخترع كانت موجودة بجوهرها المجرد. ودون أن تصوب نحو الناس أية عدسة تصوير. كانوا يتصرفون كما لو أنهم يُصورون.
ميزة أخرى تعطي العمل هذه القوة وهذا الجمال. لا أستبعد, بل أنا مؤمن بأن كونديرا من كبار القراء في العالم, في الخلود نقرأ دستويفسكي و رواية الأبله, وعن تاريخ فرنسا السياسي والأدبي, وعن الموسيقى الأوروبية, والشعر والملاحم الأدبية الأوروبية: ريلكه, غوته, همنجواي, دستويفسكي, تولستوي, بيتهوفن. سحر. جمال. موسيقى. تصوير من كل الزوايا للموت, وآه للروس .. بلاد الروح, وآه ل آنييس بطلة رواية الخلود !
عندما تذهب للنزهة في الجبل قبل أن تغادر جبال الألب. بدلاً من ركوب سيارتها والسفر إلى فرنسا. فعلت ذلك استجابة لجمال الأمكنة وهدوئها, ولكن أيضاً بشكل أعمق, لكي تستسلم للحنين, وترى بوضوح ما كانت تعرفه دوماً على نحو لا شعوري, ذلك الشيء الذي لا قيمة له : الدروب
” الدروب : شريط من الأرض نمشي فوقه على الأقدام. الطريق شيء مختلف عن الدرب. ليس فقط لكونه يُقطع بالسيارة, بل لكونه مجرد خط يربط نقطة بأخرى. ليس الطريق بذاته أي معنى. الشيء الوحيد الذي له معنى هو النقطتان اللتان يصل بينهما. الدرب تكريم للمكان. كل جزء من الدرب له معنى ويدعونا للتوقف. الطريق إنقاص مظفر لقيمة المكان الذي لم يعد سوى إعاقة لتحركات الإنسان, إضاعة للوقت. اختفت الدروب من روح الإنسان حتى قبل أن تختفي من المنظر: لم يعد الإنسان يرغب بالسير في الدروب واستخلاص المتعة من ذلك. لم تعد حياته درباً أيضاً, بل طريقاً. المنظر الجميل في عالم الطرقات يعني: جزيرة من الجمال متصلة مع جزر أخرى من الجمال بخط طويل .. في عالم الدروب, الجمال شيء مستمر ومتغير دوماً, يقول لنا عند كل خطوة: توقف!.”
اقتباسات من الرواية:
” جميعنا, في جزء ما من أنفسنا, نعيش وراء الزمن. ربما أننا لا نعي عمرنا إلا في لحظات استثنائية, وأننا معظم الوقت أشخاص بلا أعمار “
” من شدة مراقبتي لنفسي في المرآة انتهى بي الأمر إلى الإعتقاد بأن ما أراه هو أنا. ليس لدي سوى ذكرى غامضة عن تلك الفترة. لكني أعرف عن أكتشافي, لأني لا بد أنه كان فاتناً. أما فيما بعد, فتأتي لحظة تقف فيها أمام المرآة وتقول فيها لنفسك: هل هذا بالفعل أنا؟ولماذا؟ لماذا علي أنا أتضامن مع هذا الشيء؟ ماذا يعني هذا الوجه؟ وانطلاقاً من هنا, يبدأ كل شيء بالإنهيار .. كل شيء يبدأ بالإنهيار.”
” هل يوجد حب للفن؟ هل وُجِد أبداً؟ أليس وهماً؟ حين أعلن لينين عن حبه لمقطوعة بيتهوفن الأباسيوناتا, ما الذي كان يحبه في الحقيقة؟ ما الذي كان يسمعه؟ الموسيقى؟ أم صخباً نبيلاً يذكره بالإضطرابات الفخمة لروحِهِ المولعة بالدم والأخوة والشنق والعدالة والمطلق؟ هل كان يسمع الموسيقى أم يدعها فقد تدخل إلى نفسه, في أحلام يقظة لا صلة لها بالفن ولا بالجمال؟ “
” ماهو الشرط الأبدي للمآسي؟ وجود المثل العليا, التي تُثمن قيمتها على أنها أرفع من قيمة الحياة الإنسانية. وما هو شرط الحروب؟ إنه الشيء نفسه. أنت تُجبر على الموت لأن هناك, على ما يبدو, شيئاً ما أرفع من حياتك. لا يمكن للحرب أن توجد إلا في عالم المأساة. ومنذ بداية التاريخ لم يعرف الإنسان غير العالم المأساوي وليس قادراً على الخروج منه. لا يمكن إغلاق عصر المأساة إلا بثورة للهو. “
” ليس الإنسان شيئاً آخر سوى صورته. يستطيع الفلاسفة جداً أن يشرحوا لنا بأن رأي العالم لا يهم كثيراً, وأن الشيء المهم هو ما نحن عليه. لكن الفلاسفة لا يفقهون شيئاً. فطالما نعيش بين الناس سوف نكون ما يعتبرنا الناس. وحين نتساءل باستمرار كيف يرانا الآخرون, ونجتهد لكي نبدو ألطف ما بوسعنا, نُعتبر منافين أو ماكرين. ولكن, هل يوجد بين أناي وأنا الآخر احتكاك مباشر خارج وساطة العيون؟ هل يمكن التفكير بالحب دون الملاحقة القلقة لصورة الشخص الخاصة في فكر الشخص المحبوب؟ الكف عن الإهتمام بالصورة التي يرانا بها الآخر, يعني أننا لم نعد نحبه .. الحقيقة الوحيدة التي تُعتبر شبه سهلة الإدراك والوصف: هي صورتنا في عيون الآخرين. والأسوأ هو أنك لست بسيدها. تحاول في بداية الأمر رسمها بنفسك, ومن ثم, على الأقل بتأثير أو إشراف عليها, تكفي عبارة سيئة النية لكي تحولك إلى الأبد إلى كاريكاتير يدعو للرثاء “
“هناك بشر كثيرون وأفكار قليلة, إننا إذ ننقل أفكارنا أو نقتبسها أو يسرقها أحدنا من الآخر, نفكر جميعاً بالشيء نفسه تقريباً. أما حين يدوس شخص ما فوق قدمي, فأنا وحدي من يحس بالألم. ليس الفكر هو أساس الأنا, بل الألم! أكثر الأحاسيس أولية. في الألم لا يمكن حتى للقطة أن تشك بأناها الفريدة وغير القابلة للتبديل. عندما يصبح الألم حاداً, يتلاشى العالم ويبقى كل واحد منا وحيداً مع نفسه: الألم هو المدرسة الكبرى للأنانية!. عندما رأى الأمير ميشكين – بطلة رواية الأبله لدستويفسكي – ناستاسيا فيليبوفنا للمرة الأولى, قال : لا بد أن هذه المرأة تألمت كثيراً. تصرح هذه الكلمات دفعة واحدة, حتى قبل أن نرى ناستاسيا فيليبوفنا شخصياً, بأنها تحتل موقعاً أعلى من الآخرين جميعاً. في الفصل الخامس عشر من الجزء الاول يقول الأمير ميشكين لناستاسيا مفتوناً : أنا لست شيئاً, أما أنتِ, أنتِ قد تألمتِ. ومنذ لك الوقت شعر أنه هالك!. “
” تعرفون هذا الموقف: فوق المنصة, يغمض عازف الكمان عينيه, ويدع العلامتين الأوليين ترنان طويلاً. يغمض المستمع عينيه بدوره, يتنهد وقد شعر أن روحه تُوسع له صدره: كم هذا جميل!. مع ذلك, فإنه لم يسمع أكثر من علامتين بسيطتين لا يمكن أن تحتويا بذاتهما على أي فكر للمؤلف, أي قصد خلاق, وبالتالي أي فن أو جمال. لكن هاتين العلامتين لا مستا قلب المستمع, ففرضتا الصمت على عقله وكذلك على محاكمته الجمالية. مجرد صوت موسيقي يؤثر فينا بالطريقة نفسها تقريباً التي تؤثر فيها نظرة الأمير ميشكين – بطل رواية الأبله لدستويفسكي – المحدقة بامرأة. الموسيقى: مضخة تنفخ بواسطتها الروح, فتحوم الأرواح المتضخمة المتحولة إلى بالونات هائلة, تحت سقف قاعة الحفل الموسيقي, وتتصادم فيما بينها في هرج لا يصدق.”
” تذكرت لحظة غريبة عاشتها ذلك اليوم بالذات. آنييس .. في نهاية بعد الظهيرة, عندما ذهبت لتتنزه مرة أخرى في الريف, عندما وصلت قرب جدول, تمددت فوق العشب, بقيت ممدة وقتاً طويلاً هناك, معتقدة أنها تشعر بالتيار يخترقها حاملاً معه كل عذاب وقذارة. أناها. كانت لحظة غريبة لا تنسى: نسيت أناها, فقدت أناها, تحررت منها, وهناك كانت السعادة.”
رواية الخُلود: ميلان كونديرا.
ترجمة : روز مخلوف.
إصدار : دار ورد.