
* في طريق عودته إلى سنتياغو بعد مهمة دبلوماسية في منتصف القرن الماضي, زار الشاعر التشيلي الكبير نيرودا البيرو, ودعي هناك ليتعرف على أطلال ماتشو بيتشو, وهي مدينة قديمة يرجع بناؤها إلى ما قبل سيطرة هنود الإنكا على البيرو. اكتشفت في بداية القرن العشرين, ومنذ ذلك الحين تحولت إلى رمز يدلل على القدم السحيق للثقافة الأمريكية. كان الفاتحون الأسبان يجهلون وجودها, ولم يكن حتى هنود الإنكا أنفسهم يعرفون عنها شيئاً إلا مجرد قصة خرافية عنها. كتب نيرودا متأثراً بجلال تلك الأطلال قصيدة طويلة من اثني عشر نشيداً تشكل إحدى قمم نتاجه الشعري. سأعود قريباً للتعليق على هذا النتاج الذي صدر في مجوعة شعرية تسمى النشيد العام ” Canto General ” والذي يضم خمسة عشر فصلاً, مقسمة على 249 نشيد, ويتجاوز مجموع أبيات الكتاب ثلاثة عشر ألف بيت من الشعر. هذه بعض الأبيات من المرتفعات :
أيها النسر الكوكبي, يا دالية الضباب.
أيها الحصن الضائع, يا حساماً أعمى.
يا حزاماً نجمياً, يا خبزاً احتفالياً.
أيها الدرج البرجي, أيها الجفن الفسيح.
يا عباءة مثلثة, يا طلع الحجارة.
يا مصباح الغرانيت, يا خبزاً حجرياً.
يا أفعى معدنية, يا زهرة حجرية.
يا مركباً دفيناً, يا نبعاً حجرياً.
يا حصان القمر, يا ضوءاً حجرياً.
أيتها الهندسة النهائية, يا كتاب الأحجار.
يا كتلة جليد موشاة بين هبات الريح.
يا عرق لؤلؤ الزمن الغارق.
يا سوراً صقلته الأصابع.
يا سقفاً من الريش المقاتل.
يا فروع مرآة, يا قواعد العاصفة.
يا عروشاً قلبتها نباتات متسلقة.
يا نظام المخالب الجارحة.
يا ريحاً عاصفة مستندة إلى المنحدر.
يا شلال عميق ثابت دون حراك.
يا نقوش النائمين البطريركي.
يا حلقة الثلوج المروضة.
أيها الحديد المستقر فوق النُصب.
يا عصفة مغلقة لا تُقتحم.
يا أيدي ” البوما “, يا صخوراً جارحة.
يا برجاً مظلّلا, يا جدال الثلوج.
يا ليلاً يرتفع بالأصابع والجذور.
يا نوافذ الضباب, أيتها اليمامة المتصلبة.
أيتها النبتة الليلية, يا تمثال الرعود.
يا سلسلة الجبال الأساسية, أيها السقف الحجري.
يا هندسة النسور التائهة.
يا حبل السماء, يا نخلة الأعالي.
أيها المستوى الدامي, أيتها النجمة المشيّدة.
أيتها الفقاعة المنجمية, يا قمر الكوارتز.
أيتها الأفعى الأنديزية, يا جبهة الديسم.
يا قبة الصمت, أيها الوطن النقي.
يا عروس البحر, يا شجرة الكاتدرائيات.
يا غصن ملح, يا شجرة الكرز ذات الأجنحة السوداء.
يا أسناناً مثلجة, يا رعداً بارداً.
يا قمراً مخدوشاً, يا حجراً متوعداً.
يا غدائر شعر البرد, يا فعل الهواء.
يا بركان الأيدي, أيها الشلال القاتم.
يا موجة الفضة, يا وجهة الزمن.
أيها الحجر الجاثم في الحجر, أين كان الإنسان؟
أيها الهواء المنتشر في الهواء, أين كان الإنسان؟
أيها الزمن المتداخل في الزمن, أين كان الإنسان؟
أكنت النثار المحطم,
نثار الإنسان الذي لم يكتمل خلقه,
نثار النسر الأجوف,
ذلك الذي يمضي في الدروب اليوم,
وفي آثار الأقدام,
وفي أوراق الخريف الميت
ذلك الذي يعذب الروح حتى الممات؟
أين اليد الفقيرة, والقدم, والحياة البائسة ..
أين أيام النور المتفككة فيك,
مثل قطرات المطر المتساقطة
فوق رايات الاحتفال,
التي أعطت, تويجاً بعد تويج, للفم الفارغ
من طعامها القاتم؟
أيها الجوع, يا مرجان الإنسان,
أيها الجوع, يا نبتة سرمدية, يا جذر الحطابين,
أيها الجوع, هل صعد خطك متجاوزاً الحد
ليصل إلى هذه الأبراج العالية المنسلخة؟
إني أستجوبك, يا ملح الدروب,
فأرني الملعقة.
وأنتِ أيتها الهندسة المعمارية.
دعيني أسبر بمسبر صغير نسيج الصخور,
وأصعد كل درجات الهواء حتى أصل إلى الفراغ,
وأكشط الرحم حتى ألامس الإنسان.
آه يا ماتشو بيتشو!
إليك يا ماتشو بيتشو صعدت !
يا مدينة الحجارة العالية.
ها أنتِ أخيراً مستقر لما لم تُخفه الأرض
أيتها الأم الحجرية, يا زبد الكندور.
يا منارة للفجر الإنساني.
يا معولاً ضائعاً في الرمل الأول
ها هنا كان المسكن, هذا هو المكان :
آه يا ماتشو بيتشو!
لقد بنيت حجراً فوق حجر
وفحماً فوق فحم, وفي العمق: دموع!
وناراً في الذهب, وفيه يرتعش قانياً الدم النازف
ما تشو بيتشو!
أعيدي إليّ العبد الذي دفنتهِ
وانفضي التراب عن الخبز اليابس,
خبز البائسين!
أريني ملابس العبيد!
أخبريني كيف كان ينام وهو حي.
أخبريني إذا ما كان يشخر
في نومه, ويحلم بهوة سوداء
مبعثها الإنهاك فوق السور
السور! أيها السور! أخبرني إذا ما كان
كل صف من حجارتك سيرتفع فوق أحلامه,
وإذا ما هوى تحتها مثل قمر, مع أحلامه!
اصعد يا أخي, لنولد معاً.
مدّ لي يدك من أعماق بؤرة ألمك المبدد.
لن تعود من أعماق الصخور.
ولن تعود من الزمن تحت الأرضي.
ولن يعود صوتك المتحجر.
ولن تعود عيناك المثقوبتان.
حدّق بي من أعماق الأرض,
أيها الفلاح, والحائك, والراعي الصمت,
وأنت يا مروض الغواناكو الجامحة,
وأنت يا ساقي الدموع الأنديزية,
وأنت أيها الصائغ ذو الأصابع المسحوقة
أحضروا كلكم إليّ كأس الحياة الجديدة هذه
أروني دمكم, أروني الأخاديد التي حفرتها السياط,
وقولوا لي : هنا عُذبت.
أروني الحجر الذي سقطتم عليه
والخشبة التي صلبوكم عليها,
أنا آت لأنطق بفمكم الميت
فوحدوا عبر الأرض, كل الشفاه النازفة.
ومن الأعماق حدثوني عن هذا الليل الطويل كله
كما لو كنت مدفوناً معكم.
حدثوني عن كل شيء, عن قيودكم:
سلسلة فسلسلة, حلقة فحلقة, خطوة بخطوة,
وأشحذوا المدى التي بها تحتفظون,
وأغمدوها في صدري وفي يدي,
كنهر من البروق الصفراء,
كنهر من النمور المدفونة,
ودعوني أنتحب لساعات, لأيام, لأعوام,
لعصور عمياء, و قرون كوكبية.
امنحوني الصمت, والماء, والأمل.
امنحوني النضال, والحديد, والبراكين.
التصقوا بجسدي وكأنه قطعة مغناطيس.
هلموا إلى عروقي وفمي.
وانطلقوا بكلماتي ودمي !
بابلو نيرودا / النشيد العام/ بعض أناشيد القسم الثاني: مرتفعات ماتشو بيتشو.