
لا يمكن أن يذكر اسم الروائي الأميركي الأشهر حالياً دان براون إلا و يخطر على بال كل قارئ لأعماله, أو على الأقل متابع لأصداء أعماله, الضجة الهائلة التي تصدر من الكنيسة الكاثوليكية تجاهه, شجباً وإدانة. عندما يذكر اسم دان براون على الفور تُذكر روايته الشهيرة ” شيفرة دايفنشي “. هناك من قال بأن شهرة دان براون حدثت بعد الأصداء المثيرة لمغامرة البروفسور روبرت لانغدون في تلك الرواية وإدانة الفاتيكان لها بسبب مس المؤلف لخصوصيات في الديانة المسيحية.
دان براون بالنسبة لي ليس مرتبط بشيفرة دايفنشي. صحيح أن الرواية جميلة وخفيفة الإيقاع, إلا أنها لا يمكن أن تكون بنفس قوة رواية دان براون الأكثر إثارة و روعة: رواية ملائكة وشياطين. قرأت الرواية فور صدور الترجمة العربية من الدار العربية للعلوم قبل أربع سنوات, وها أنا اليوم أعيد قراءة الرواية من جديد, بمناسبة الفيلم الصادر حديثاً Angels and Demons من بطولة النجم الأمريكي توم هانكس.
الرواية بداية هي رواية بوليسية. يعيدني تصنيف الرواية إلى أحد فصول حاشية اسم الوردة للمفكر والروائي الإيطالي أمبرتو إيكو.” الميتافيزيقيا البوليسية “. لا يمكن بأي حال أن أقارن بين اسم الوردة وملائكة وشياطين. من بدأ بكتابة مثل هذه الروايات في أجواء دينية وتاريخية و بعمق فلسفي رهيب هو أُمبرتو إيكو بلا شك. في الكتابة الفلسفية يتفوق إيكو بدرجة رهيبة, وهو عائد بلا شك إلى تبحره في القرون الوسطى. ولكن في الخاصية البوليسية للرواية, لا أتوقع أن يتفوق إيكو على دان براون. أمبرتو إيكو بداية رفض الإجابة بعد صدور روايته بفترة عن أسئلة يصفها بالتافهة, مثل: هل رواية اسم الوردة رواية تاريخية؟ كانت رواية اسم الوردة بوليسية, أو سينمائية كما يصفها إيكو: أعتقد أن الناس يحبون الروايات البوليسية، لا لأن فيها جرائم وأن النظام ينتصر في النهاية على النظام الخطأ ” النظام الثقافي والإجتماعي والأخلاقي”. إذا كانت الرواية البوليسية تثير إعجاب الناس، فلأنها تمثل قصة تخمين في حالتها الخالصة. ولكن ألا يمثل الفحص الطبي، أو البحث العلمي أو التساؤل الفلسفي حالات تخمين؟. إن مسألة الفلسفة الأساس في واقع الأمر هي نفسها في الرواية البوليسية ” كما هو الحال أيضا في التحليل النفسي” : من المسؤول؟ من أجل معرفة ذلك ” أو الاعتقاد في معرفة ذلك ” يجب أن نفترض أن كل الوقائع يحكمها منطق، ذلك الذي فرضه عليها المتهم. فكل قصة بحث وتخمين تحكي لنا عن شيء يوجد بجانبنا باستمرار” . وهذا ما يفسر بوضوح لماذا تتشعب القصة الأساس ” من هو المجرم ؟” إلى قصص أخرى كلها قصص لتخمينات، تتمحور كلها حول التخمين باعتباره كذلك.
في أحد المراكز العملية الشهيرة في سويسرا تحدث جريمة قتل لأحد أهم العلماء الفيزيائيين. لم يتم استدعاء الشرطة للتحقيق في الجريمة, بل تم استدعاء البروفسور روبرت لانغدون, عالم الرموز الدينية من أجل التحقيق في الشعار الذي وسُم به العالم القتيل. ما يتكشف عن هذا الوسم شيء لا يصدق في هذا القرن: منظمة قديمة جداً تدعى الطبقة المستنيرة تسعى لأخذ الثأر من الكنيسة الكاثوليكية, وتبدأ الإثارة في هذه الرواية التي لا تتوقف عن الإثارة في كل صفحة.
الرواية تسير بثلاثة خطوط متساوية في القيمة والنتاج, و تشكل البنية الأساسية لرواية ملائكة وشياطين. هناك الخط البوليسي والنفس المتسارع لمحاولة كشف سلسلة الجرائم المتتالية , ومن جهة ثانية هناك المسار الفني, وهو الذي أعطى الرواية عمقاً جمالياً ومتناسقاً مع الخط البوليسي. في الرواية نشاهد تفسيرات مثيرة لأعمال فناني عصر النهضة, مايكل أنجلو و رافائيل وفنانين عظماء آخرين. وهناك التحف الفنية والأقبية المذهبة والكنوز الفنية و العلمية في أرشيف الفاتيكان السري كأعمال غاليليو غاليلي. أما من الناحية الفكرية فهي التي تشكل الضلع الثالث والأهم في الرواية, وهو صراع الدين والعلم. في الحقيقة, أن الخط البوليسي والخط الفني لم ينشأ إلا من أساس الخط الفكري المتمثل بهذا الصراع بين الحقيقة العلمية والحقيقة الدينية.
في أحد أكثر مشاهد الرواية إثارة و قوة هو المشهد الذي خرج فيه السكرتير البابوي ليعلن لتلك الجماعة الثائرة من الفاتيكان أنها قد انتصرت: العلم هو الإله الجديد! يتحول هذا الخطاب ذو المحتوى الرمزي الهائل إلى إدانة العلم الذي قدم للبشرية الشيء الكثير, لكنه لم يقدم صياغة حقيقية لكيفية علاقة الإنسان مع العلم: أقصد الأخلاق. هناك الأسلحة المتطورة جداً, والتجارب الطبية القادرة على إحداث الثورات في التاريخ المقبل: أي نظام أخلاقي يقدمه العلم للإنسان, من أجل أن يستخدم هذا العلم بطريقة سليمة و بدون مخاطرة. أين هو الشر وأين الخير. أصبحت وسائل الإتصال السريعة هي الطريقة الحديثة, بدل أن يذهب الأقارب والأهل لزيارة بعضهم. كان السكرتير البابوي يتحدث وكأن العلم هو الشيطان الذي صادر النظام الأخلاقي في نفس الإنسان و زرع في عقله هذه الآلات والتكنولوجيا التي أفقدت الإنسان الإيمان بالله: بشعار المسيح الإلهي: إذا صفعك على خدك الأيمن, أدر له الأيسر.
أتذكر في القراءة الاولى قبل أربع سنوات أن المشهد الأخير من الرواية هو من أجمل المشاهد الختامية لرواية صادرة حديثاً. إنها مثيرة وتحبس الأنفاس, تجعلك لا تصدق أن ما حدث قد حدث. ثم, بعد أن تستمر القراءة يتكشف لك سر هذا الحدث العظيم الذي حدث فوق سماء الفاتيكان. كل شيء كان خدعة. من هم الملائكة في الرواية؟ من هم الشياطين في الرواية؟. كل شخصيات الرواية الأساسية هم ملائكة و شياطين. ومن يريد معرفة ذلك عليه بقراءة هذه الرواية المثيرة. أسجل لدان براون براعته في حفر شخصية أدبية خيالية في أذهان القراء: شخصية البروفسور روبرت لانغدون. أصبح مثل شخصية شرلوك هولمز, أشهر محقق خيالي في العالم.
ليس لدي تعليق على الفيلم بما أني لم أشاهده حتى الآن. أنا متحمس لمشاهدته, كيف ستكون جرائم القتل, وكيف سيظهر روبرت لانغدون والعالمة فيتوريا, والأهم: كيف ستكون شخصية السكرتير البابوي؟ لو استطاع الفيلم أن يجسد المشهد الأخير من الرواية, مشهد سماء الفاتيكان, سيكون الفيلم مطابقاً للرواية بالتمام.
* سيصدر في الخامس عشر من سبتمبر هذه السنة رواية دان براون الجديدة. رواية الرمز المفقود The Lost Symbol. وسيكون روبرت لانغدون حاضراً للمرة الثالثة في أعمال دان براون الروائية.
ملائكة وشياطين كثير حفزوني لقراءتها ولعل تدوينك اقواها ..
جآري اضافتها للقائمة ..
يعطيك العافية ..
بمجرد ما تقرر مشاهدة الفلم علمني.
عن نفسي لم أعد قرائة الرواية مرة أخرى منذ قراءتي الأولى
و مع ذلك ما زالت أجوءها عالقة في الذاكرة.
لكنّي ما زلت متحيرة من نهايتها الغير واقعية و الدافعة للضحك.
أحس أن دان برون أخذ “يرقّع” للكنيسة في النهاية كي لا تثور عليه هي و المسيحيين المتشددين.
أتمنى فعلاً مشاهدة الفلم و الحكم عليه.
السلام عليكم
و بعد
أخي قد قرأت هذه الرواية منذ سنة و نصف و هي كباقي روايات دان براون ,فكل رواياته محبوكة جيدا .
انها مثيرة لدرجة انني انهيتها في يومين ,لم أعرف متى وصلت للصفحة الأخيرة!!!!!!
أما عن الفلم فقد وجدته و يمنك الإتصال بي لأعطيك الروابط
hidd_200@hotmail.com
Najd
الله يعافيك شكراً.
ندى
حتى الآن ما نزلت نسخة صافية من الفيلم.
بخصوص المشهد الأخير, أستطيع تقبل سقوط روبرت لانغدون في البحر, لكن السكرتير البابوي كيف استطاع النزول بهذه الرشاقة من أعلى السماء إلى الأرض. يا أن هناك شيئاً غامضاً لم ألتفت له أو أن دان براون أصبح كاتب يؤمن بالحركات الخرافية والإنتقال من مكان لآخر بلمح البصر.
إذا وصلني الفيلم عطيتك خبر. ثم , وشكراً كبيرة يا ندى.
أشرف
مثلي بالضبط. أغلب قراءة دان براون ينهون قراءة أعماله بوقت وجيز رغم ضخامة العمل.
بخصوص الروابط التي لديك, هب هي صافية أم مثل الي متوفر بمواقع التحميل, لم تصدر النسخة الصافية حتى الآن؟
شكراً لك.
فيلم دافنشي كود تفوق على فيلم ملائكة وشياطين (لم أقرأ الروايتين ! )
ففي ملائكة وشياطين مشهدين لم يقنعاني .. لم يكونا في المستوى العام للفيلم -ان صح التعبير – .. المشهد الذي أشارت إليه ندى .. ومشهد دخول السكرتير على الاجتماع المغلق وتحدثه عن جزئية آلهة العلم الجديدة .. فهو يتحدث إلى رجال الدين وكأنهم هم المنورين وينتقد العلم أمام من يحاربه في الأصل !! وأكاد أكون على يقين أن هذا المشهد ليس في الرواية فإما أنه زيادة من كاتب السيناريو أو تم تحويره عن أصله !
شكراً يوسف .. كنت أنوي قراءة كلا الروايتين ويبدو أني سأقتصر على ملائكة وشياطين
ملائكة وشياطين ممتعة جداً, وستكتشف ذلك بنفسك يا عمر .
شاهدت الفيلم قبل يومين. الفيلم ممتع. وأمتعني طوال الساعتين. أعطيه تقييم 8.5 / 10. فرق كبير بداية بين الفيلم الأول وفيلم ملائكة وشياطين. أغلب ما هو في الرواية تم تجسيده في الفيلم, باستنثاء بعض الحوارات والأجزاء, وهو شيء متوقع ولم أستغرب ذلك في ترجمة الرواية إلى فيلم.
شخصية روبرت لانغدون / توم هانكس كان أكثر موائمة لشخصية روبرت لانغدون التي كتبها دان براون. ملائمة الشخصية سببها مطاردة لانغدون للكنائس الأربعة ومحاولة فك الألغاز عبر الإرشيف السري للفاتيكان. وكذلك لا أنسى شخصية السكرتير البابوي, كان مقنعاً كذلك. الشيء الوحيد الذي كنت أتمنى تواجده في الفيلم هو حقيقة البابا. كما هو معروف أن البابا لديه ابن وهو السكرتير البابوي. السكرتير البابوي قتل أباه بحجة عدم تبتله ومخالفة أوامر الكنيسة. كان متطرفاً في أحكامه إذ كان يجسد دور الملاك المنقذ للكنيسة, وفي النهاية ينقلب الحال ويصبح هو الشيطان. الرواية ممتعة. وهي بلا شك – على الأقل بالنسبة لي – أفضل من شيفرة دافنتشي بمراحل عديدة. والفيلم كان ممتعاً كذلك. ولم يدمر الرواية أو يبخس من حقها. بانتظار رواية دان براون القادمة. فهو روائي ممتع ولديه الكثير ليقدمه.
حياك عمر.