
- 1 -
في الغابات الطاهرة التي لم يدنسها إنسان ” إغراء “, وعلى الشاطئ المهجور سحر وفتنة, وعند البحر العميق, في هدير أمواجه موسيقى عذبه. لكن هذا لا يقلل من حبي للإنسان, إنما أعشق الطبيعة أكثر منه في هذه اللحظات التي أخلو فيها إليها وأجاذبها أشهى الحديث, ناسياً كل ما يمكن أن أكونه, وكل ما كنته من قبل كيما أتحد بهذا الوجود, فأشعر بما لا أقدر على التعبير عنه, وإن كنت لا أقوى على إخفائه كله. ألا فلتهدر بأمواجك أيها المحيط الازرق الداكن العميق! إن آلاف الأساطيل تجوب طرقاتك الطويلة دون أن تبلغ أطرافك. وهذا الإنسان الذي يملأ الأرض بآثار تخريبية, يقف سلطانه عند الساحل. لا يستطيع تجاوزه إليك, وما يجري على سهلك المائي من كوارث إنما أنت فاعله, ولا يبقى عليه أدنى ظل لتدمير الإنسان. اللهم إلا ظله هو حينما يسقط في لحظة كأنه قطرة مطر في أعماقك, وهو يعوي ويصيح, يهوي فيك, دون قبر ولا كفن ولا تشييع ناقوس, منسياً من الجميع .
- 2 -
من أيام شبابي العاصف الوجدان باللذات والأحزان, فقد قلبي وقيثارتي وتراً, فصار في غير انسجام, ولعلي أحاول اليوم عبثاً أن أغني كم كنت من قبل أغني. لكن على الرغم مما يبعث هذا من أسى, فإني سأتعلق به, كما ينتزعني من الحلم المرهق بحزن أثر أو سرور. فيحيطني بهالة من النسيان, فتبدو لي أنا أنشودة لا تخلو من متعة واحسان, وإن لم تبد هكذا لغيري من الناس.
- 3 -
من عاش طويلاً في عالم الأحزان, وتعمق الحياة فيه حتى القاع بالأفعال لا بالسنوات, حتى لم يعد يدهشه شيء, ولم تعد سهام الحب أو الألم أو الشهرة أو الطموح أو الكفاح تصيب قلبه بنصل الاحتمال الصامت الحاد, إن هذا ليستطيع أن ينبئ لماذا يبحث الفكر عن ملجأ له في الكهوف المنعزلة, ولكنه يرى في هذه الكهوف تصاوير خيالية وأشكالاً تظل على حالها, برغم قدمها , في صومة الروح المسحورة.
- 4 -
من ذا الذي يرى الورد متفتحاً ولا يود اقتطافه ؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يعجب بنعومة الجمال وروائه دون أن يشعر بأن قلبه لا يمكن أن يهرم كله ؟ ومن ذا يقدر على تأمل النجم الذي يجعله المجد مضيئاً, فوقه هاوية الطموح دون أن يقذف بنفسه كيما يجتاز هذه الهاوية ؟ إن هارولد وقد دخل مرة أخرى في زحمة الناس, وقد جُر به مع الدهماء, فصار يطارد الزمان, لكن من أجل غاية أنبل من تلك التي كانت من قبل لديه في ربيع حياته .
- 5 -
خيم الصمت على الأرض وعلى السماء, وإن لم تغرق في النعاس, وكلاهما لا يكاد يتنفس, مثلُه مثل من يحس بشعور حاد عميق, وكلاهما صامت صمت هذا الغارق في خواطر عميقة. أيتها النجوم, أنتِ أشعار السماء, إذا كنا نسعى لقراءة مصائر الناس والدول في صفحاتك اللامعة الناصعة فاغفري لطموحنا الجامح محاولته تجاوز نطاقه الفاني من أجل الإتحاد بك, لأنك جمال وسر. ولأنك تخلقين في نفوسنا من الحب والإجلال السامي ما يجعل الحظ والشهرة والقوة والحياة تدعو نفسها بإسم النجوم بأن تتخذ منها رموزاً عليها.
- 6 -
الآن أديت رسالتي, وانقطع إنشادي, واستحالت ألحاني إلى أصداء. وقد آن أن يُقطع هذا الحلم الطويل, ولا بد من إطفاء المصباح الذي أضاء لي تلك الليالي. وداعاً! يالها من كلمة لا بد أن تقال, يرن فيها رنين الآسى والحزن. وداعاً مع هذا! وداعاً إليكم يا من قصصتم أثر زحالتي حتى اخر الشوط. إذا كانت ذاكرتكم تعي فكرة من أفكاره, وإذا كانت إحدى ذكرياته تطوف بنفوسكم, فإنه لم يلبس إذن في غير طائل نعال الطريق وقلنسوة السفر المزينة بالقواقع والأصداف. وداعاً مرة أخرى. ولندع له وحده الأسف, إن كان له منه نصيب. ولكم أنتم العظمةُ الحسنة من هذه الأناشيد.
من أسفار شيلد هارولد – لورد بايرون
ترجمة : عبدالرحمن بدوي