
هذا العمل بالنسبة لي كان المصافحة الأولى للكاتب والقاص عبدالواحد الأنصاري. أحب قراءة مقالات عبدالواحد النقدية في الصحافة والمنتديات, ولكن القصص القصيرة, لا أعلم لماذا لم أتقبلها. من حسن الحظ أني قرأت مقطع منشور للرواية وقت صدورها ولفت نظري ما أسماه المؤلف “التأمل الغنائي الصامت في تبجيل اليد”.
أخذت الكتاب من المعرض, وقرأت الرواية في أوقات الفراغ في الجامعة. الرواية تنقسم لثلاثة أقسام” أ/ب/ج”. الجزء الأولى كان أشبه ما يكون بحاشية تشرح أسس الرواية والعمل الأصلي للعمل. بمعنى, أنت تقرأ عدة نقاط هي مفاتيح للعمل الأصلي, في التاريخ والشعر والموسيقى والأماكن. من حسن الظن أني قارئ صبور ولدي قدرة قوية لضبط النفس وعدم إلقاء الرواية بعد هذه الصفحات الغير مترابطة ولا تقدم لي شيئاً.
القسم الثاني من الرواية ” ب ” كان هو العمل الروائي الحقيقي. في الحقيقة تفاجئت! عبدالواحد أعجبني هذه المرة. بل لا أبالغ إن قلت أني أصبت بالذهول. أعتقد بأن السبب كان في الأسلوب البورخيسي في كتابة النص, حيث يظهر الكاتب جنباً إلى جنب مع بطل القصة, يجنح للكتابة الكلاسيكية تارة, ثم يظهر في القصة وأكنه أحد الأبطال. هذه هي الكتابة البورخيسية الرائعة, ولو توقف الكاتب عند حدود هذا النوع من الكتابة قد يفشل, ما لم يطور عمله أكثر. عبدالواحد أضاف لهذا النوع من البورخيسية ما يمكن أن أسميه بالأدب الكابوسي, أو المرعب. حقاً, إن اختفاء يد البطل ثم ظهورها عبر الألم والضرب والتكسير لا يمكن أن تكون الرواية إلا مرعبة. هذا الرعب في التصوير والتحطيم والآلم يصاحبه حركة سريعة باتجاه اليد, اليد التي جعلها المؤلف هي السؤال والعنوان في الرواية: كيف تصنع يداً. هذه الكيفية في كتابة الرواية تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف تكتب الرواية؟ المؤلف يجب أن يفكر قبل أن يكتب, كيف يقدر على إدهاش القارئ ويقدم عمل روائي قبل أن يكون جديراً بالقراءة, يكون عملاً يستحق المؤلف عليه التكريم, نظراً لإنشغاله عليه بحرفية. المجهود واضح في كتابة هذه الرواية. بإمكانك أن تقرأ الرواية تسلسليلاً, أو تقلب الرواية من الجزء الأخير إلى الأول, أو تقدم الجزء الأوسط والأخير وتأخر الجزء الأول. وعبر كل هذه الطرق, تقرأ عملاً يستحق كاتبه التقدير.
القسم الثالث من الرواية, وهو يصلح لأن يكون بدل ” أ “, أو حتى في الأخير. قرأت الرواية تسلسلياً, أي أ و ب و ج. في القسم الثالث من الرواية فتح عبدالواحد المجال واسعاً للحديث عن اليد: أو كما أسماها بالتأمل الغنائي الصامت. أحببت هذه القطعة جداً . إنها تذكرني بتلك القطع الفنية التي يجد القارئ نفسه يقرأ بسرعة مرعبة, يريد أن يرى خاتمة لهذه الملحمية والشعرية الغنائية الكثيفة. هذا جزء من الجزء الأخير من الرواية, مع التحية للأستاذ عبدالواحد.
سيول جارفة من التأمل الغنائي الصامت في تبجيل اليد، بمقاطعها الصوتية الثنائية، التي لا يمكن أن تسمع إلا في اللغة العربية، مؤكدة أن أصل اللغة ثنائيّ، وأن هذه الثنائية الموجودة في أسماء الأصوات والأفعال، هي ثنائية اليد الناعمة المسترسلة، وهو الأمر الذي تؤكده نظرية الأب أنستاس الكرملي ومرمرجي الدومنكي. إنها اللفظة المؤنثة بنعومة، كما تقتضي القاعدة العربية القائلة بأن كل عضو مثنى في الجسم فهو مؤنث ناعم. اليد التي تُعرف باستقرارها فاعلا على الدوام، لا مفعولا، باستثناء ما إذا وُطئت بالعقوبات والأفعال القسرية. يد حبيبة لوكيوس الوردية في رواية أفولاي الأمازيغي. يد المرأة الطارقية التي ترقص بوقار، واضعة الملحفة على وجهها، مكتفية بحركة اليدين، على إيقاع الموسيقى الهادئة، ذلك المشهد الذي ظل يحمله حسين في فؤاده طيلة حياته، وصحبه إلى قبره، باعتباره مثالا أعلى للحياء المنتشي. اليد العاشقة، التي لولاها لما قامت لمباهج الحب قائمة، متلمسةً في جوف الظلمة، مرتبكة، مبتهلة، منتشية، تفتح الأزرار، وتمزّق الألبسة الرقيقة، تقرص، وتخمش، وتضغط، وتنشب، وتحتدم، وتعتصر، وتنتفض، وتموت. هل ترى أصابعك الموقيّة يا حسين، التي يصفها المنجمون وقراء الكفّ بأنها قادرة على صنع أدوات مفيدة، كالأدوات المنزلية. وبالقادرة على أن تجعل من صاحبها مهندسا بارعا. وبأنها تشي بدقتك وعشقك للعمل الميكانيكي من أي نوع تقريبا. وهل ترى اليد المنبسطة كيد تمثال الحرية، الصارخة بالنداء: أقبلوا نعطكم الحرية والغذاء، أرسلوا فقراءكم ومظلوميكم وليس أغنياءكم وعباقرتكم. يد هتلر المنفتلة بتحيتها الصارمة الخالدة. اليد التي تعلو أختها في استسلام كيد الموناليزا، والأيدي المرسومة بعناية في العشاء الأخير، ناطقةً مفصحةً بمن سيخون، ومن سينسحب، ومن سوف يتنصل ويغيب إلى الأبد. اليد المتحولة إلى عصفور يلتقط الأغصان والحشائش الجافة. البنصر المخملية، المصممة من البرونز والفضة والأبنوس، لأجل أن تحتضنها الخواتم الثمينة. القبضة النحاسية التي تثبت على الأبواب لتعوض عن الزائرين شهوة الطرق بالقبضة. اليد المعوّذة، التي تضمخ بدم القربان، ويلطخ بها الحائط أو باب المنزل. يد الخمسة وخميسة الذهبية، التي تشبك بأول خصلة يولد بها الطفل. اليد المفتوحة إلى أعلى تبتهل أو تستعطي، والمفتوحة إلى أسفل لتمنح أو تواسي. يد الأم التي تهز المهد لتحكم العالم. يد بوذا، التي قبضت على القرد وسط راحتها، وتحدته أن يخرج منها، وركب القرد سحابة طارت به إلى أقصى الأرض، ليجد خمسة أعمدة قائمة، فيتبول بينها، ليثبت وصوله إلى أبعد مكان عن يد بوذا، وليُفاجأ بأن الأعمدة التي بال بينها لم تكن إلا أصابع بوذا نفسه. اليد الرامزة للإعجاز الخارق، بأن يقتل القاتل ضحيته، ويجرجرها إلى الغابة لدفنها، فتسقط منه يدها دون أن يشعر، متدحرجة من لفافة الجثة، وتتعثر بها امرأة ضريرة، فيعاودها بصرها. وتحتفظ بها القرية في كنيستها، على أنها يد العذراء، في حين أنها ليست إلا يد تلك المسكينة المقتولة. اليد الفصحى الموحية بتمثيلها الإيمائي، المجسدة للطائر، والحيوان، المتراقصة بظلالها السحرية خلف ألسنة الشموع. اليد الآسية الرحيمة، التي تتحسس موضع الألم، فتطبع عليه هناء الطمأنينة. الأيدي الوطنية، التي تبني أو تحمي. يد المحتل التي تبطش. واليد التي تنطلق منها في كيان الطفل الوليد أولى شرارات الصفات البشرية الوحشية: الإمساك لفترة بسيطة، لحب التملك. القبض على جسم يمسكه آخر، للنهب. التقاط الأشياء بالسبابة والوسطى، للانتقاء. نقل الأشياء، للنفي والإبعاد. وإسقاطها على الأرض، للإهمال. تمرير الإصبع للاكتشاف، لغزو العالم. الرسم على الأشياء، للقهر الأيديولوجي. الضرب، لأجل الضرب فقط. صف المكعبات، للتخطيط للمكائد. التغطية، للطمس والإخفاء. اليد التي تصلح رمزا للخير وللشر معا، كالمبسوطة في كل الفنون، إما لانعتاق الروح من جسدها، كما جرى لك يا حسين عندما اكتملت يدك واشرأبّت وانبسطت، أو المنبسطة للقتل، كما تروي اليد سيرتها في أول قضية جنائية، بين قابيل وهابيل، إذ بسط هذا يده، وضم الآخر يده إلى صدره منتظرا الموت، وكتبت الحكاية إلى الأبد.
أشكرك أخي الكريم للحديث عن روايتي بهذه الفخامة الملفتة للنظر.
لقد شرفتني بقراءتك لي، ولا أكثر من هذا الشرف عندي.
تحرسك الملائكة
تستحق الرواية أن يكتب عنها بمثل ما استقبلت القارئ
وتستحق أنت يا عبدالواحد بالتأكيد
أسعدني مرورك يالطيب. حياك الله