Feeds:
تدوينات
تعليقات

بقايا النهار

- أقول يا ستيفنز, هل أنت بخير؟
- بخير يا سيدي, شكراً جزيلاً.
- هل أنت على ما يرام ؟
- نعم سيدي, شكراً !
- ألا تشعر بأي منغصات؟
- لا يا سيدي, على الإطلاق .. عن إذنك يا سيدي.
( أحسست بشيء ما يلمس مرفقي, فاستدرت لأجد أنه اللورد دارلنجتون )

- هل أنت بخير؟
- نعم يا سيدي, بكل خير.
- تبدو كأنك تبكي؟
( ابتسمت وأخرجت منديلاً مسحت به وجهي)
- معذرة يا سيدي, إنه إجهاد يوم عصيب !

إجهاد يوم عصيب ؟ بكل هذه السهولة؟ وفاة الأب تحت قيادة الإبن ويقول بكل هذه الأريحية إجهاد يوم عصيب؟ كنت أتمنى أن يخرج كل مكنونات نفسه لدقيقة واحدة فقط, أن يعطي نفسه ذرة من ذرات بقايا النهار, أن يكون سيد نفسه وصاحب إرادة وحرية وفكر, لكنها الكرامة .. إنها الكرامة بلا شك, وأي كرامة؟ كرامة رئيس الخدم ستيفنز!

الكرامة التي تحلى بها الأب وهو يقدم الخدمة كما يفرضها المنصب على جنرال هو المتسبب الرئيسي بقتل أحد أبنائه, هي الكرامة التي تحلى بها الإبن التالي الذي تسلم منصب كان الأب هو المسيطر الرئيسي عليه. الجوهر الحقيقي للكرامة التي يتحلى بها المهني أو رئيس الخدم حسب تصرفات رئيس الخدم ستيفنز هي القدرة على عدم التخلي عن الكيان المهني الذي يسكنك. بمعنى أن لا تتهرب من الواجبات المهنية المفروضة عليك وأنت تتعرض لتلك المواقف القادرة على هز الجبال. رؤساء الخدم الصغار أو الموظفين الصغار بإمكانهم أن يتخلوا عن حياتهم المهنية عند أقل المواقف شأناً. أن تكون رئيس خدم معناه: أن تقوم بدور تمثيلي صامت, دفعة خفيفة, أو زلة بسيطة ثم تنهار الواجهة لتكشف عن الممثل تحتها. رؤساء الخدم العظام عظماء لأنهم لأنهم قادرون على البقاء في دورهم المهني, الإقامة فية برسوخ, الأحداث الخارجية لا تهزهم حتى لو كانت مؤلمة. يرتدون مهنتهم كما يرتدي رجل أنيق حلته. لا يترك الظروف تخلعها عنه في العلن, سوف يتخلى عنها ” هو ” عندما يريد ذلك فقط, وذلك لن يحدث إلا عندما يكون بمفرده .. إنها مسألة كرامة !

ماذا حدث؟ لم يخلع رداء المهنية حتى عندما يكون بمفرده. أتخيل لو أن الروائي البريطاني – الياباني كازوو إيشيغيرو لم يغفل مسألة أن يخلع ستيفنز رداء المهنية, في مكان مفرد معزول, حيث لا أحد معه في هذا القصر الذي دارت في ارجاءه صراعات القارة العجوز, يكشف عن نفسه ويتكلم, ليتكلم فقط ويقول أنا أحب السيدة كنتون .. لو قالها لزادت الشاعرية في هذه الرواية فوق شاعريتها الكثيفة, وحتى لو لم يقلها فلم تنقص الرواية شيء من ذلك. إن الميزة الرئيسية في هذه البقايا, بقايا النهار, هي في قدرة الروائي على بث مكنونات اللاشعور خارجاً دون وعي من المتكلم نفسه: حكاية الشغف بالعمل وتقديمه على كل شيء آخر: على جنازة الأب الذي يموت في الطابق العلوي من المنزل، فيما يستمر ابنه في ترتيب الأشياء وتأمين الحفل في الطابق الأسفل. تقديم العمل على الحب والافتتان. تقديم الإخلاص للعمل على المشاعر وحبسها وإلغاء فكرة الزواج من المرأة التي أحب من أجل التكرّس لتفاصيل النهار الذي لا يبقى منه في النهاية سوى البقايا.

تحكي الرواية قصة رئيس الخدم الإنجليزي المحترف ستيفنز من وجهة نظره، وتتوزع بين ذكرياته عن أيام سيده السابق اللورد دارلنجتون، اللورد الإنجليزي صاحب التأثير الكبير في السياسة الإنجليزية، والذي أُقصي فيما بعد عن الحياة السياسية البريطانية، ومات مُجللاً بالعار، لدعمه النازيين خلال الحرب العالمية الثانية بحسن نية تام. وعمله الحالي عند سيده الجديد، المالك الجديد لدارة دارلنجتون الفاخرة، الأمريكي السيد فاراداي.

تبدأ الرواية والتي تم تجسيده لاحقاً في فيلم من بطولة أنتوني هوبكنز وأوما تومسون بوصول رسالة إلى ستيفنز من السيدة كنتون، مدبرة المنزل السابقة التي خدمت معه في دارة اللورد دارلنجتون في شبابهما، تحكي فيها عن حياتها، وتُلمح إلى أن حياتها الزوجية لا تسير على ما يرام، مما يجعل ستيفنز يأمل في إمكانية إعادة ضمها إلى طاقم مستخدمي دارة دارلنجتون بسبب النقص الشديد في عدد المستخدمين في الوقت الحاضر، بسبب تغير الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية.

يستعير ستيفنز سيارة السيد فاراداي الذي كان قد وعده بأن يعيره إياها ليذهب في رحلة إجازة في الريف أثناء سفر الأخير إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وخلال رحلته, يتذكر ستيفنز أحداث حياته التي قضاها في خدمة اللورد دارلنجتون، والحياة الأرستقراطية وقتها، يتذكر وفاة أبيه، وتصرفات الآنسة كنتون عندما كانت مدبرة المنزل.

أوما تومسون/ السيدة كنتون من الشخصيات التي أخرجت اللاشعور في ستيفنز, ولا يمكن لأي قارئ للرواية أن ينسى حوارات كنتون وستيفنز, رغم الشدة في أسلوب مس كنتون. شدة أسلوب كنتون لها سبب رئيسي, وهي أن يتخلى السيد ستيفنز عن منصبه لدقيقة واحدة ليكشف وجوده كإنسان يحب ويكره في قصر دارلنجتون. لكن ذلك لم ينجح. تحولت شخصية كنتون في نهاية الرواية إلى النقيض من ذلك. أصبحت هادئة ولا تهتم لإخراج اللاشعور عند ستيفنز, لأن الآوان قد فات. على الطرف الآخر السيد ستيفنز يتخلى عن رداء المهنية ويحاول ممارسة الدور الذي كانت تمارسه مس كنتون, كان يريد إخراج اللاشعور لديها؟ هل تحبه؟ لماذا تهرب من زوجها كما تقول في رسائلها؟ هل تريد العودة لدارلنجتون هول؟ لا يوجد تحولات درامية تعصف بالرواية أو الشخصيات. الرواية هادئة هدوء قاتل. قوتها وجمالها الكثيف يظهر في هذا الهدوء الذي يسكن القصر بعد رحيل سيده اللورد. وفي مهنية السيد ستيفنز, وفي إلحاح مس كنتون.

شاهدت الفيلم بالأمس بعد أن انتهيت من قراءة الرواية. من الأعمال القليلة التي تجعلك تؤمن أن هناك أعمال سينمائية بإمكانها إجادة عملية الترجمة الأنترسيميوطيقية بشكل محترف. أنطوني هوبكنز في هذا الفيلم, بسيمياء وجهه (العيون/ الفم) كان يتحدث ويخلق نص حواري آخر بعيداً عن الحوارات المشاهدة. في الفيلم لم يقل كلمة أحب ولا مرة, ولكنه كان ينطق بذلك من دون شعور: عند حادثة الكتاب و وفاة الأب, يصل النطق السيميائي إلى أقصاه في نهاية الفيلم, تحت زخات المطر.

أخيراً, لا يوجد في الفيلم أحداث دراماتيكية عاصفة ولا قصة حب عنيفة ولا شيء من هذا القبيل. مجرد ذكريات وقصة هادئة لرئيس خدم دارلنغتون, السيد ستيفنز. جمال الفيلم والرواية ينبع من هذا الهدوء الذي يسكن الفيلم من البداية .. وحتى النهاية.

لا أنسى بالطبع الحوار الذي دار في بقايا ذلك اليوم, في غرفة رئيس الخدم ستيفنز, مع السيدة كنتون, اقتبس هذا الحوار مع التحية بالتأكيد لمن نشر وتحدث عن الرواية هنا من قبل, الأخ الموسيقار ساليري .

- أنا في حيرة يا سيد ستيفنز, ماذا يمكن أن تقرأ؟
- كتاب يا مس كنتون! .. كتاب!
- واضح, لكن أي نوع من الكتب, هذا ما أريد أن أعرفه؟
- بصراحة يا مس كنتون, لا بد أن تحترمي خصوصيتي!
- لكن, لماذا أنت خجل إلى هذه الدرجة؟ لا بد أن يكون شيئاً بذيئاً؟
- غير وارد بالمرة أن يكون هناك كتاب بذيئ في مكتبة اللورد!
- لقد سمعت أن كثير من الكتب الثقافية الهامة تحتوي على أجزاء بذيئة, وإن كنت لم أجرء على النظر إليها حتى الآن .. والآن, أرجوك يا سيد ستيفنز .. أرني الكتاب .. دعني أرى ما تقرأ؟
- أرجوك أنت تتركيني لوحدي يا مس كنتون. من المستحيل أن تثقلي عليّ هكذا في لحظات الفراغ الوحيدة المتاحة لي للإنفراد بنفسي!
- أرجوك .. أرني الكتاب الذي تمسك به يا سيد ستيفنز, وسوف أتركك تستمتع بقراءته .. ماذا يمكن أن يكون يا ترى ذلك الذي لا تريد أن تريني إياه؟

-لا يهمني على الإطلاق أن تكوني عرفت عنوان الكتاب أم لا يا مس كنتون! من ناحية المبدأ أنا اعترض على ظهورك هكذا فجأة واقتحام وقتي الخاص!
( تقدمت نحوي برقة, تحاول تخليص الكتاب من يدي, فكرت في أن أفضل ما يمكن أن أفعله هو أن انظر بعيداً, ولكنها كانت تقف أمامي مباشرة. أشحت عنها بوجهي فقط, وبزاوية غير طبيعية إلى حد ما. حاولت أن تاخذ الكتاب من يدي واستمر ذلك وقتاً, إلى أن سمعتها تقول )

- يا إلهي .. شيء لا يستحق الخجل منه أو الشعور بالعار. ليست سوى رواية عاطفية يا سيد ستيفنز!

أين قرأت عن طفل يتم انتزاعه من صدر أمه, ثم يتم تقطيع يده اليمنى واليسرى ويتم تقديمها للكلاب, ثم يلوح به ويقذف إلى أقرب صخرة, أو إلى أبعد مكان ما, في تلك الأرض المسالمة؟ أين قرأت عن مملكة, ممالك, مدن, جميع سكانها من أكثر بلاد الأرض طمأنينة, لا تعرف الشر, طيبة بالغة الوفاء, بل أكثر شعوب الأرض تواضعاً وصبراً وسكينة, لا تعرف الحقد ولا الخصام, يتم إفنائها في ساعتين فقط؟ مليون, مليونين, عشرات الملايين يساقون عبيداً عبر المحيطات, تقطع أيديهم بحجة أنها طعام شهي للإنسان؟ يتم حرقهم من أقدامهم حتى تصل النار الملتهبة إلى الدماغ؟ يتم جمعهم في حصن ويتعرضون لألسنة اللهب؟ السيوف تدخل إلى تلك المدن وتفني الأرض عن بكرة أبيها بلمح البصر!

لم أقرا أبداً, حتى في أدب السجون الذي لا يضارع في التعذيب والتنكيل, ما يفوق شهادة الأب برتولومي كي لاس كازاس عن أحوال بلاد الهند أو القارة الأمريكية التي اكتشفها كولومبوس. إن كان كولوموبس هو أهم شخصية في القارة الأمريكية, فإن هذا الأب المسيحي هو أهم منه بكثير, لأنه كشف للعالم خفايا تلك المجزرة الرهيبة التي أفنت ملايين من البشر في سنوات قليلة. القس فراي بارتولومي دي لاس كاساس. مبشر كاثوليكي إسباني. ولد في إشبيليا. أطلق عليه لقب رسول جزر الهند ولقب حامي الهنود بسبب دفاع المستميت عن سكان أمريكا الأصليين. ناضل دون هوادة منذ وصوله إلى أمريكا عام 1502 ضد الممارسات العنيفة التي كان الغزاة الإسبان يقترفونها في حق أهل البلاد. ألف كتاب بعنوان ” قصة تدمير بلاد الهند ” وفيه يروي أدق التفاصيل عن مساؤى الغزو الإسباني للعالم الجديد. وكتاباً آخر بعنوان ” التاريخ العام لبلاد الهند “.

لا أخفي إعجابي بهذه الشخصية. لقد ثار على أبناء عصره وكنيسته, ثار على البابا والملك ليكشف للعالم خفايا الإنسان المميتة, حكاية القوات التي تحمل الصليب في المقدمة: أول ما يفعلونه عندما يدخلون قرية أو مدينة هو ارتكاب مجزرة مخيفة فيها .. مجزرة ترتجف منها أوصال هذه النعاج المرهفة . لم يلتفت للدين ولم يلتفت للأراء المتضاربة, كان شاهد عيان, كان إنساناً يلتقي أخيه الإنسان المعذب في تلك القارة الجديدة.

يصف الأب بعض الرهبان يلهثون وراء الذهب, ويحدثنا عن رئيس المطارنة الذي كان يرسل خدمه ليأتوه بحصته منه. كان الجميع متفق على سرقة البلاد, عسكراً و رهباناً. هؤلاء يريدون الذهب بتعذيب الأجساد وقتلها, وأولئك يريدونه بتعذيب الأرواح وقتلها. كانوا جميعاً يشهرون سيف المسيح, والمسيح منهم براء. ” لقد قال السيد المسيح ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب, فلماذا أيها الملك ترسلون الذئاب الجائعة المتوحشة التي تذبح وتهلك النعاج”.

في الفصل الذي يتحدث فيها الأب فراي بارتولومي عن جرائم الأسبان, أورد حكاية تبين كيف وصل مستوى القتل والتنكيل إلى مستوى العقل نفسه لا يستطيه التفكير بها. في كوبا, في بداية الغزو الإسباني, كان هناك زعيم قبلي يدعى ” هاتوي “. جمع أفراد قبيلته حوله حين علم بقدوم الأسبان, وسأل : هل تعرفون لماذا يفعلون ذلك؟ إنهم يفعلون ذلك من أجل ربهم الذي يعبدونه ويقدسونه. إنهم يريدون أن نؤمن به ولهذا يقتلوننا. كان هاتوي يملك سلة صغيرة ممتلئة بالذهب, فابتسم لأبناء قبيلته وقال: هذا هو رب المسيحيين. إنه الذهب. هيا لنرقص له ونرضيه, فربما سمع دعائنا وأمر المسيحين ألا يذبحونا. وصرخوا جميعاً: حسناً حسناً. ثم رقص الناس حد الإنهاك. بعدها قال : اسمعوني جيداً, سوف أرمي بهذا الذهب في النهر لأنهم سوف يقتلوننا بسببه. وكذلك فعل.

عندما عرف المسيحيون بذلك علقوا مشنقته, ثم جاءه راهب محاولاً إستمالته للدين المسيحي قبل الموت. قال له الراهب أن عليه أن يغتنم هذا الوقت القصير قبل موته ليؤمن. لأن إيمانه سوف يدخله الجنة أو إلى النار إن لم يؤمن.

في مشهد يكشف حجم العذاب الذي عاناه السكان الأصليين, قال زعيم القبيلة الهندية هاتوي: هل هناك مسيحيون في الجنة؟ قال الراهب : معظمهم هناك. عندها قال الزعيم الهندي من غير تردد : إنني أفضل دخول النار عن أن ألتقي بكم في الجنة. أرسلني إلى النار. هكذا أصبحت سمعة المسيحيين في بلاد الهند بفضل ما ارتكبوه من جرائم لا تعقل.

أتساءل كيف استطاع الأب فراي بارتولومي أن يكتب هذه الجرائم التي لم يستطع إلا كتابة شيئاً يسيراً عنها, ولا تستطيع المخيلة البشرية أن تكتب مثلها؟ إن يوم القيامة هو اليوم الذي سيثأر الله فيه من هذه الشناعات المزرية في بلاد الهند .. تلك التي ارتكبها من يحمل لواء المسيحية ! حسب قوله.

نشيد للأب بارتولومي
بابلو نيرودا

يُفكر أحدنا, لدى عودته إلى بيته,
في الليل, منهوكاً وسط ضباب أيار البارد,
عندما تصعد الكآبة حتى مزلاج البيت لتدخل معنا,
ينبثق ضوء قديم, ناعم وقاس
مثل معدن, مثل نجم مدفون.
أيها الأب بارتولومي, شكراً لهذه الهدية.
في منتصف الليل الفج,
شكراً لإن شعاعك كان عصياً على الهزيمة.
كان يمكن أن يموت دعساً, أو أن يأكله
الكلب ذو الأنياب النزقة.
كان يمكن أن يبقى في رماد البيت المحترق.
كان يمكن أن تقطع السكين الباردة.
سكين القتلة الذي لا يُحصون
أو الحقد المغلف بالإبتسامات,
( خيانة المصلوب التالي ).
أو الكذبة الملقاة من النافذة.
كان يمكن أن يموت الخيط البلوري الكامل الشفاف
المتحول إلى فعل, إلى نضال, إلى هاوية شلال فولاذية.
حيوات قليلة مثل حياتك يعطي الإنسان
ظلال قليلة مثل ظلك في الأشجار,
جميع الجذور الحية في القارة : هرعت.
كل المصائر المخربة, وجراح الأيدي,
والقرى المبادة,
جميعها تولد من جديد تحت ظلك.
فأنت تؤسس للأمل من تخوم الإحتضار.
أيها الأب,
من حسن طالع الإنسان و نوعه
أنك أتيت إلى هذه المزرعه
وأنك قضمت بأسنانك غلال الجريمة
وأنك شربت كل يوم كأس الغضب
من الذي وضعك, أيها الفاني العري بين أنياب الحقد؟
كيف أطلت عيون أخرى من معدن آخر عند ولادتك؟

كنت واقعاً بين الأشباح الدموية
كنت سرمية الرقة فوق عصفة العذاب
ومن معركة إلى معركة تحول أملك
إلى أسلحة ضرورية

عندما كنت تعرض وحدتك, وسفينتك المدافعة,
ويدك التي تُبارك بها, وعباءتك,
داس العدو الدموع
وهشم لون السوسن

كان الحق مادتك الجبارة.
كان بنيانك زهرة منتظمة
من فوق أرادو تأملك
( من عليائهم ) : أراد الغزاة التطلع إليك,
وهم متكئون كأشباح حجرية على سيوفهم
يُثقلون أرض مباردتك ببصاقهم الساخر
ويقولون : ( ها هو ذا المحرض )
و يكذبون : ( لقد دفع له الأجانب )
( ليس له وطن )
( إنه يخون )

ولكن موعظتك لم تكن لحظة ضعف
ولا إرشاداً عابراً
ولا ساعة صفر
لقد كان خشبك غابة مقاتلة,
حديداً في داليته الطبيعية
مختفياً عن كل ضوء
تحت الأرض الزهرة, بل كان أعمق من ذلك :
في وحدة الزمن ,
في مسيرة الحياة, كانت يدك المتقدمة
نجمة من أبراج السماء, شارة للشعب.

أدخل معي اليوم, يا أبتاه, إلى هذا البيت.
وسأعرض عليك رسائل شعبي وآلامه,
والإنسان المطارد فيه.
سأعرض عليك الآلام القديمة ذاتها.

ولكيلا أسقط,
لكي أثبت نفسي على الأرض,
سأستمر في النضال,
دع في قلبي نبيذ التشرد
وخبز عذوبتك الذي لا يستكين.

بابلو نيرودا

المطر هو الشخصية الوحيدة التي لا تنسى في مسيرة الشاعر التشيلي الكبير بابلو نيرودا. و تراقص الكلمات هي من أجبرت ذلك الذي أخذ اسم لا يعرف من هو صاحبه الأصلي ليغني عبر الكون : تلك الكلمة التي كانت تحلق وتهبط, يهيم بها, يذعن لها, يتابعها, يلثمها, يذيبها, مغرم بها .. كل كلمة مباغتة ينتظرها في نهم, يترصدها بشغف. إنها لزبد, معدن, لندى, يلاحق كلمة, يطارد أخرى, يريد أن يحضنها في شعره, لكنها تطير, يقتنص إحداها, فيحس بها شفافة, رجراجة, كالثمرة, كحبة الزيتون .. تتدلى من القصيدة كما تتدلى عناقيد الرواسب من سقف مغارة.

ولكن تراقص الكلمة يتوقف ليشهد الولادة الثانية. في الربع الثاني من القرن المنصرم يدعو أحد موظفي السيرك بإسبانيا نيرودا لحضور إحدى تلك الإحتفالات. كان سيصطحب لوركا معه. اتفقوا على اللقاء في ساعة محددة. تخلف لوركا عن الموعد. كان قد ذهب ليلاقي حتفه. كان لديه موعد مع القتلة والسفاحين. هكذا بدأت حرب إسبانيا التي غيرت شعر نيرودا: بدأت بإختفاء شاعر

” وأي شاعر, أبداً لم أشاهد شاعراً مثله اجتمعت في اللطافة والعبقرية, القلب المجنح والشلال الشفاف. لقد كان فيدريكو لوركا العبقري المسرف في وحيه وإلهامه, بؤرة الفرح التي تشع الكوكب بسعادة الحياة, كان نابغة, كونياً ريفياً, موسيقياً فذاً, ممثلاً رائعاً, مؤمنا بالخرافات, لامعاً ونبيلاً, كان خلاصة إعمار إسبانيا وعهودها, وصفوة الإزدهار الشعبي, نتاجاً عربياً – أندلسياً ينير و يفوح مثل أيكة ياسمين على مسرح إسبانيا, كان كل هذا, يا ويلتي .. لقد اختفى ذلك المسرح, فآواه وألف آه .. “

لو أمكنني أن أبكيَ خوفاً في منزلٍ مهجور
لو أمكنني أن أقتلعَ عينيّ وازدرهما
لفعلتُ ذلكَ من أجلِ صوتِكَ المُعوِلِ كشجرةِ برتقالٍ
و لأجلِ شِعرِكَ الذي يسري هادراً.

فلأجلِكَ صبغوا المستشفياتِ بزرقةٍ
و المدارسُ، و السواحلُ البحريةُ تنمو
و الملائكةُ تحشو جراحَها ريشاً
و بتولُ السمكِ يتغطى بحراشفِه
و القنافذُ البحريةُ تحلقُُ نحوَ السماءِ
لأجلِكَ محلاتُ الخياطةِ بأقمشتِها السوداء الرقيقةِ
سوفَ تمتلئُ ملاعقَ، تمتلئُ دماءً
و لسوفَ يبتلعونَ شرائطهم الحمراءَ المُمزقة،
و يقتلونَ أنفسَهم بالقُبَل
و يتشحونَ بعدَ ذلكَ بالبياض.

عندما تحلقُ متنكراً كشجرةِ خوخٍ
عندما تضحكُ ضحكةَ إعصارٍ من الأرز
عندما تخفقُ بشرايينكَ و أسنانِكَ كي تغني
بحنجرتِكَ و أنامِلك
أستطيعُ أن أموتَ لأجلِ الحلاوةِ التي تتضوعُ منكَ
أستطيعُ أن أموتَ لأجلِ البحيراتِ القُرمزيةِ
تلكَ التي تقطنُها منتصفَ الخريف
معَ جوادِكَ الساقطِ و إلهِكَ الجريحِ
أستطيعُ أن أموتَ لأجلِ المقابرِ التي
تمرُ ليلاً كأنهار رمادٍ
بمياههِا و شواهدِ قبورِها
ما بينَ الأجراسِ المخنوقة:
أنهارٌ تمتلئُ كغرفِ مشفىً
بالجنودِ المرضى، يفيضونَ فجأةً
باتجاهِ الموتِ، مع الأرقامِ الرخاميةِ
و الياسمينِ المتعفنِ، و مصابيحِ الزيت:
أستطيعُ أن أموتَ من أجلَ أن أراقبكَ ليلاً
و أنتَ تتابعُ الصلبانَ الغارقةَ و هيَ تمرُ
تحتَ قدميكَ، فتبكي،
لأجلِ أنّكَ تبكيَ أمامَ نهرِ الموتِ
مهجوراً، جريحاً
تبكي كلَ البكاءِ، و تمتلئُ عيناكَ
بدموعٍ، بدموعِ الدموع.

في الليل، حينَ أمشي وحيداً
أستطيعُ أن أجمعَ ما يمتدُ من نسيانٍ و دُخانٍ و ظلال
فوقَ سككِ الحديدِ و السفنِ البخاريةِ
أجمعُها في قمعٍ أسودَ
ماضغاً الرمادَ
سوفَ أفعلُ ذلكَ من أجلِ الشجرةِ التي تكبرُ فيها
من أجلِ أعشاشِ المياهِ الذهبيةِ التي تجمعُها
و من أجلِ الشبكةِ التي تغطي عظامَكَ
مخبرةً إياكَ عن سرِّ الليل. *

قرأت مذكرات نيرودا قبل أيام. كان كل تفكيري منصباً حول النشيد العام, أضخم أعمال نيرودا الشعرية وأشهرها على الإطلاق. قبل أن أتحدث عن النشيد العام أريد أن أتحدث عن المكون الأساسي للنشيد العام. هذا المكون موجود على اتساع رقة أمريكا اللاتينية: إنها المعاناة بلا شك. معاناة الإنسان الفقير المعدوم. لم يكن الإنتساب للحزب الشيوعي من أجل العقيدة الفكرية ذاتها, بل بسبب العمال الذي يقاسون العذاب في الصحراء التشيلية الرهيبة, في الهروب عبر جمال الأنديز, تحت المطر المنهمر منذ شهور. في نهاية مذكرات نيرودا قرأت جملة لخصت النشيد العام بأكمله. تلك الجملة كان يعني فيها مباشرة الشعب التشيلي حين قال : كان شعبي, الشعب التشيلي أكثر شعب تعرض للغدر في هذا الزمن!. كان يقصد بعبارته تلك الإنقلاب العسكري الذي أطاح بحكومة سلفادور الليندي الشرعية ومقتله, وسقوط تشيلي تحت رحمة سلطة الديكتاتور الشهير أوغستو بينوشية. لا أنسى كذلك عبارة تصلح مقدمة للنشيد العام, في إحدى حوارات ماركيز الصحفية قال قولاً لفت نظري, قال: أسمع كثيراً هذا القول: يقال بأن سكان أمريكا اللاتينية فرحون ومرحون ومنفتحون على العالم. والحقيقة أننا الأكثر انغلاقاً, والأكثر حزناً بين كل الشعوب. ما الذي يجعل مثل هذه الشعوب الشهيرة بمرحها الأكثر حزناً وتعاسة على وجه الأرض. لم تنعم بالإستقرار طوال القرن الماضي, كانت الإنقلابات تنتقل من الجنوب إلى الشمال بلمح البصر, كانت الشركات المتعددة الجنسيات تضغط على رجال السلطة العسكرية خوفاً من تأميم مصالحها, كان العمال والمواطن المنزوي في إحدى ضواحي تلك البلدان هو الأكثر تعاسة و حزناً جراء ذلك.

في عمله الضخم ” النشيد العام ” يرجع بابلو نيرودا إلى الوراء, إلى ما قبل الغزو الإسباني, حتى يصل إلى الطبيعة ذاتها. هو بلا شك محاولة لكتابة التاريخ على اختلاف مشاربها” التاريخ, الجغرافيا, الفلكلور, مملكة النباتات, الطبيعة, الانثروبولوجيا”. كانت محاولة لإعطاء سكان تلك المنطقة إنجيل خاص بهم, يحكي حكاية أراضيهم من الطبيعة حتى القرن العشرين, تاريخ طويل من الهجرة والإستطيان والغزو والتحرير, وللأرض والإنسان. ذلك هو النشيد العام لنيرودا. كان الثائر الشهير جيفارا يقرأ على رجاله ليلاً بعض أناشيد النشيد العام, وعند مقتله, في جبال بوليفيا, وجد في حزمة مقتنياته كتاب بابلو نيرودا ” النشيد العام “.

في النشيد الأول ” المصباح في الأرض, يبدأ الكتاب بابتهال إلى عالم ما قبل الفتح الإسباني” أرض التي بلا أسماء, بلا أمريكا “. إلى الأصول الجيولوجية والغابات التي تسكنها العصافير. إلى أصوات الماء التي سميت فيما بعد أورنيوكو و الأمازون و بيو بيو. وفي نهاية هذا الفصل فقط تبدأ القبائل بسكنى الأرض. فتأتي قبائل الأزتيك والكارييب والمايا والإنكا.

في النشيد الثاني ” مرتفعات ماتشو بيتشو ” وهو أقوى الأناشيد وأجملها في هذا العمل الضخم. تظهر عظمة هذا النشيد في التدرج الدرامي المذهل الذي يعطي القصيدة تطورها المتصاعد. كانت الأسئلة وجودية وهائلة, هناك سؤال دائماً ما يتكرر في هذا النشيد: من هو الإنسان؟ و دعوة للإستيقاظ كذلك وإعادة إحياء هذه الحضارة المندثرة بفعل الغزو الإسباني الذي أباد مكونات هذه الحضارة بلمح البصر.

في النشيد الثالث ” الغزاة ” هو إدانة عنيفة للهمجية التي احتفل بها الغزاة الأسبان, ولممارسات السلب والدناءة التي لجأ إليها قادتهم العسكريون, ولحماقة رجال الدين وتعصبهم.

في النشيد الرابع ” المحررون “, يعتبر هذا الفصل أطول فصول النشيد العام وأكثرها إبرازاً للتاريخ. ابتداءً من زعماء الهنود الثوار الذين قاوموا الغزو الإسباني مثل كواوتيموك و لاوارو و وتوباك الذين تصدوا للغزو الإسباني في القرن السادس عشر. وحتى المحاربين والقادة العماليين – زاباتا, ساندينو, ريكابارين, برستيس – مروراً بمن يطلق عليه آباء الوطن, أبطال حروب الإستقلال مثل ميراندا وبوليفار وسان مارتين, يقوم نيرودا بتمجيد الدعوات والحركات التحررية في أمريكا خلال أربعمائة سنة. كما يتعرض لقدرها المحكوم بالاستلاب, متابعاً تبدلات الأسياد. هناك قصص في هذا النشيد تظهر القوة التي كان عليها الهنود الحمر في مواجهة الغزاة الأسبان. مثل كواوتيموك آخر ملوك الأستيك. تعرض للهزيمة في مواجهة الإسبان ووقع في الأسر. تعرض لتعذيب وحشي طيلة ثلاث سنوات لأنه رفض الاعتراف بمخبأ الكنوز الملكية. قاوم التعذيب بالنار بصمود عجيب, ثم أعدم. كنت سأفصل حياة أحد هؤلاء الثوار وذكر النشيد الخاص به في النشيد العام. ولكن, هناك اسم من ضمن قائمة المحررون لم يكن من سكان أمريكا اللاتينية, ويعتبر من أكبر محرري الهنود الحمر من القتل والتعذيب الذي طالهم تحت سيوف الغزاة الأسبان. إنه المطران الإسباني فراي بارتولومي دي لاس كازاس. ما يجعل الامر ممتعاً أن هذا القس المسيحي صدر له كتاب وجدته في مكتبتي بعنوان ” المسيحية والسيف : وثائق إبادة هنود القارة الأمريكية على أيدي المسيحين الإسبان, رواية شاهد عيان.

* هذه القصيدة لبابلو نيرودا موجودة في كتاب نيرودا Residence On Earth تحت عنوان Ode to Federico Garcia Lorca. قام الصديق العزيز عدي بترجمتها ونشرها قبل سنة من الآن.

قمت اليوم بتصفح بعض الكتب في مكتبتي, بعد فراق دام أكثر من شهرين. فتحت المجلد الاول لرواية الأخوة كارامازف, ووجدت أول إهداء لدستويفسكي في أعماله. الإهداء كان موجه لزوجة دستويفسكي : آنا جريجور ريفينا دستويفسكي. ابتسمت وأنا أقرأ هذا الإهداء. من جهة هو أول إهداء في مجمل أعمال دستويفسكي, وثانياً أن هذه المرأة كانت مشابهه جداً لزوجة تولستوي صوفيا آندريفنا وإن كان مصير الإثنتين يختلف بشكل كليّ. صوفيا اندريفنا قاومت بشدة رغبة تولستوي في إعطاء ملكية مزرعته وأراضيه للفلاحين, بينما آنا جريجور أعطت دستويفسكي كل ما تملك من مال, حتى مهرها من أجل أن يقامر دستويفسكي بالمال حينما كان بالخارج. كانت آنا جريجور مؤمنة بأن زوجها سوف يتخلص من هذا القمار اللعين, إن كان هذا سيمر عبر التخلص من كل الاموال فليكن, كل هذه الأموال لتذهب إلى الجحيم: المهم أن يعود العقل سليماً معافاً إلى هذا الكاتب الذي يستطيع أن يبرئ المجرم في أعماله.

في فترة العشق الأول لدستويفسكي, قرأت مذكرات زوجة دستويفسكي للتعرف على عوالم دستويفسكي من الداخل, وكم كانت ممتعة لأبعد الحدود رغم كمية الألم والخسارة والفقد والصرع والسجن الذي تعرض لها هذا الروائي العظيم.

هذه الجولة في حياة دستويفسكي ليست استعراض لسيرة حياته, رغم أن سيرة حياته تستحق الكتابة أكثر من مرة نظراً لتفوقها أحياناً على أعماله الخالدة. تحتوي هذه المذكرات القصيرة على الكثير من المعلومات عن حياته الشخصية اضافة إلى بعض ملامح الأدب الروسي وشخصياته والمؤثرات فيه خلال الفترة التي عاشها الروائي الكبير. أترككم مع هذه الأوراق بترجمة الأستاذ خيري الضامن. نشرت هذه المذكرات بشكلها الجديد في حديث المطابع قبل سنة من الآن, وأضفت عليها هامش ضخم يشير إلى شخصيات أدبية وسياسية وفنية وأحداث كان لها تقاطع مع مسيرة دستويفسكي الأدبية. طبعاً, نسيت أن أذكر أن هذا الملف من إعدادي : ).

لمن يريد قراءة المذكرات :
مذكرات زوجة دستويفسكي

مرتفعات ماتشو بيتشو

* في طريق عودته إلى سنتياغو بعد مهمة دبلوماسية في منتصف القرن الماضي, زار الشاعر التشيلي الكبير نيرودا البيرو, ودعي هناك ليتعرف على أطلال ماتشو بيتشو, وهي مدينة قديمة يرجع بناؤها إلى ما قبل سيطرة هنود الإنكا على البيرو. اكتشفت في بداية القرن العشرين, ومنذ ذلك الحين تحولت إلى رمز يدلل على القدم السحيق للثقافة الأمريكية. كان الفاتحون الأسبان يجهلون وجودها, ولم يكن حتى هنود الإنكا أنفسهم يعرفون عنها شيئاً إلا مجرد قصة خرافية عنها. كتب نيرودا متأثراً بجلال تلك الأطلال قصيدة طويلة من اثني عشر نشيداً تشكل إحدى قمم نتاجه الشعري. سأعود قريباً للتعليق على هذا النتاج الذي صدر في مجوعة شعرية تسمى النشيد العام ” Canto General ” والذي يضم خمسة عشر فصلاً, مقسمة على 249 نشيد, ويتجاوز مجموع أبيات الكتاب ثلاثة عشر ألف بيت من الشعر. هذه بعض الأبيات من المرتفعات :

أيها النسر الكوكبي, يا دالية الضباب.
أيها الحصن الضائع, يا حساماً أعمى.
يا حزاماً نجمياً, يا خبزاً احتفالياً.
أيها الدرج البرجي, أيها الجفن الفسيح.
يا عباءة مثلثة, يا طلع الحجارة.
يا مصباح الغرانيت, يا خبزاً حجرياً.
يا أفعى معدنية, يا زهرة حجرية.
يا مركباً دفيناً, يا نبعاً حجرياً.
يا حصان القمر, يا ضوءاً حجرياً.
أيتها الهندسة النهائية, يا كتاب الأحجار.
يا كتلة جليد موشاة بين هبات الريح.
يا عرق لؤلؤ الزمن الغارق.
يا سوراً صقلته الأصابع.
يا سقفاً من الريش المقاتل.
يا فروع مرآة, يا قواعد العاصفة.
يا عروشاً قلبتها نباتات متسلقة.
يا نظام المخالب الجارحة.
يا ريحاً عاصفة مستندة إلى المنحدر.
يا شلال عميق ثابت دون حراك.
يا نقوش النائمين البطريركي.
يا حلقة الثلوج المروضة.
أيها الحديد المستقر فوق النُصب.
يا عصفة مغلقة لا تُقتحم.
يا أيدي ” البوما “, يا صخوراً جارحة.
يا برجاً مظلّلا, يا جدال الثلوج.
يا ليلاً يرتفع بالأصابع والجذور.
يا نوافذ الضباب, أيتها اليمامة المتصلبة.
أيتها النبتة الليلية, يا تمثال الرعود.
يا سلسلة الجبال الأساسية, أيها السقف الحجري.
يا هندسة النسور التائهة.
يا حبل السماء, يا نخلة الأعالي.
أيها المستوى الدامي, أيتها النجمة المشيّدة.
أيتها الفقاعة المنجمية, يا قمر الكوارتز.
أيتها الأفعى الأنديزية, يا جبهة الديسم.
يا قبة الصمت, أيها الوطن النقي.
يا عروس البحر, يا شجرة الكاتدرائيات.
يا غصن ملح, يا شجرة الكرز ذات الأجنحة السوداء.
يا أسناناً مثلجة, يا رعداً بارداً.
يا قمراً مخدوشاً, يا حجراً متوعداً.
يا غدائر شعر البرد, يا فعل الهواء.
يا بركان الأيدي, أيها الشلال القاتم.
يا موجة الفضة, يا وجهة الزمن.

أيها الحجر الجاثم في الحجر, أين كان الإنسان؟
أيها الهواء المنتشر في الهواء, أين كان الإنسان؟
أيها الزمن المتداخل في الزمن, أين كان الإنسان؟

أكنت النثار المحطم,
نثار الإنسان الذي لم يكتمل خلقه,
نثار النسر الأجوف,
ذلك الذي يمضي في الدروب اليوم,
وفي آثار الأقدام,
وفي أوراق الخريف الميت
ذلك الذي يعذب الروح حتى الممات؟

أين اليد الفقيرة, والقدم, والحياة البائسة ..
أين أيام النور المتفككة فيك,
مثل قطرات المطر المتساقطة
فوق رايات الاحتفال,
التي أعطت, تويجاً بعد تويج, للفم الفارغ
من طعامها القاتم؟

أيها الجوع, يا مرجان الإنسان,
أيها الجوع, يا نبتة سرمدية, يا جذر الحطابين,
أيها الجوع, هل صعد خطك متجاوزاً الحد
ليصل إلى هذه الأبراج العالية المنسلخة؟

إني أستجوبك, يا ملح الدروب,
فأرني الملعقة.
وأنتِ أيتها الهندسة المعمارية.
دعيني أسبر بمسبر صغير نسيج الصخور,
وأصعد كل درجات الهواء حتى أصل إلى الفراغ,
وأكشط الرحم حتى ألامس الإنسان.

آه يا ماتشو بيتشو!
إليك يا ماتشو بيتشو صعدت !
يا مدينة الحجارة العالية.
ها أنتِ أخيراً مستقر لما لم تُخفه الأرض
أيتها الأم الحجرية, يا زبد الكندور.
يا منارة للفجر الإنساني.
يا معولاً ضائعاً في الرمل الأول
ها هنا كان المسكن, هذا هو المكان :

آه يا ماتشو بيتشو!
لقد بنيت حجراً فوق حجر
وفحماً فوق فحم, وفي العمق: دموع!
وناراً في الذهب, وفيه يرتعش قانياً الدم النازف
ما تشو بيتشو!
أعيدي إليّ العبد الذي دفنتهِ
وانفضي التراب عن الخبز اليابس,
خبز البائسين!
أريني ملابس العبيد!
أخبريني كيف كان ينام وهو حي.
أخبريني إذا ما كان يشخر
في نومه, ويحلم بهوة سوداء
مبعثها الإنهاك فوق السور
السور! أيها السور! أخبرني إذا ما كان
كل صف من حجارتك سيرتفع فوق أحلامه,
وإذا ما هوى تحتها مثل قمر, مع أحلامه!

اصعد يا أخي, لنولد معاً.
مدّ لي يدك من أعماق بؤرة ألمك المبدد.
لن تعود من أعماق الصخور.
ولن تعود من الزمن تحت الأرضي.
ولن يعود صوتك المتحجر.
ولن تعود عيناك المثقوبتان.
حدّق بي من أعماق الأرض,
أيها الفلاح, والحائك, والراعي الصمت,
وأنت يا مروض الغواناكو الجامحة,
وأنت يا ساقي الدموع الأنديزية,
وأنت أيها الصائغ ذو الأصابع المسحوقة
أحضروا كلكم إليّ كأس الحياة الجديدة هذه
أروني دمكم, أروني الأخاديد التي حفرتها السياط,
وقولوا لي : هنا عُذبت.

أروني الحجر الذي سقطتم عليه
والخشبة التي صلبوكم عليها,
أنا آت لأنطق بفمكم الميت
فوحدوا عبر الأرض, كل الشفاه النازفة.
ومن الأعماق حدثوني عن هذا الليل الطويل كله
كما لو كنت مدفوناً معكم.
حدثوني عن كل شيء, عن قيودكم:
سلسلة فسلسلة, حلقة فحلقة, خطوة بخطوة,
وأشحذوا المدى التي بها تحتفظون,
وأغمدوها في صدري وفي يدي,
كنهر من البروق الصفراء,
كنهر من النمور المدفونة,
ودعوني أنتحب لساعات, لأيام, لأعوام,
لعصور عمياء, و قرون كوكبية.

امنحوني الصمت, والماء, والأمل.
امنحوني النضال, والحديد, والبراكين.
التصقوا بجسدي وكأنه قطعة مغناطيس.
هلموا إلى عروقي وفمي.
وانطلقوا بكلماتي ودمي !

بابلو نيرودا / النشيد العام/ بعض أناشيد القسم الثاني: مرتفعات ماتشو بيتشو.

Older Posts »