Feeds:
تدوينات
تعليقات

واترلو

هل يجب أن نتخيل نابليون كما في لوحة أنطوان جروس, يحملُ علماً في إحدى يديه وسيفاً مشهراً في يده الأخرى, بزيه المزخرف بالأحزمة الملونة والشارة الرسمية للسلطة, وشعره الكستنائي الثائر بفعل الرياح, وعينيه وحاجبيه وشفتيه المضمومتين بما توحيه هيئة كل هذه الأعضاء من عزم وتصميم؟ اللوحة جميلة بلا شك, وإن كانت هناك لوحة أخرى تنافس هذا اللوحة جمالاً لن تكون إلا لوحة الفنان الشهير جاك لويس ديفيد وهو يصور نابليون ممتطياً خيله, عابراً جبال الألب. هذا التصور حسب المؤرخ المعروف ويل ديورانت أبعد ما يكون عن التصور الحقيقي لنابليون. كانت اللوحة تمثل حباً شديداً مفعماً بالحماسة: إنه الفنان عندما يتعبد في محراب رجل الإنجازات.

مالم يستطع الفن أن ينقله كما هو مجسداً على أرض الواقع, هو العقل! روح القيادة تتجلى في عينيه. أحد الجنرالات يعترف بخوفه من أثر عيني نابليون الشبيه بأثر التنويم المغناطيسي. يقول : هذا الشيطان الآدمي يمارس معي سحراً يجعلني غير قادر على التعبير عما في نفسي. ورغم أني لا أخاف الله ولا الشيطان, فإنني أخشاه لدرجة أنني أرتعد كالطفل عندما أكون في حضرته, وهو يستطيع أن يجعلني أمرق من ثقب الأبرة لألقي نسي في النار.

من هو نابليون ؟
كان جوته يظن أن عقل نابليون هو أعظم عقل أنجبته البشرية. حتى معارضيه, كان متفقين أن ليس هناك عقل كعقله من حيث التنظيم والإنضباط. أما ديورانت, في كتابه قصة الحضارة, فيوافق على أن عقل نابليون كان من بين عقول كل من تبوأ منصباً تنفيذياً هو العقل الأكثر إدراكاً ووعياً وحدة, وقدرة على التذكر, وبراعة في استخدام المنطق.

هذا الذي ملئ أوروبا رعباً لعشرين سنة ليس فيه من الفرنسيين في شيء, لا في تكوينه الجسماني, ولا في عقله, أو شخصيته. قصير, وأصبح في وقت لاحق بديناً, كانت ملامحه أقرب ما تكون إلى الصرامة الرومانية, وكان ينقصه ما يتمتع به المثقفون الفرنسيون آنذاك من مرح وتسامح وأناقة. كان ميالاً إلى السيطرة على العالم أكثر من ميله للإستمتاع به : ” ليس لي إلا عاطفة حب واحدة وخليلة واحدة, إنها فرنسا, إنني أنام معها, فلم تخذلني أبداً. لقد ضحت بدمائها وأموالها من أجلي, فإذا طلبت منها خمسمائة ألف مقاتل قدمتهم لي”. كان يطلق عليه المتحالفون الأوروبيون أنه ابن الثورة الفرنسية, أي ورث كل آثامها وجرائهما وأنه واصل مهمتها في إبعاد أسرة البوربون التي كانت حاكمة. أما هو نفسه فيقول أنه كان سبباً في إنهاء الثورة الفرنسية وماسببته من فوضى وعنف. يقول عنه ديورانت في قصة الحضارة : ” كان كميكافيللي, لكن حذره بمقدار النصف, وإرادته تزيد على ما أوصى به ميكافيللي مئة مرة. كان إيطالياً, لكن فولتير جعله شكاكاً, كما جعلته الثورة الفرنسية التي شهد وقائعها حاذق الذهن محتالاً. وأصبح لماحاً حاد الذهن بدخوله في مناقشات يومية مع المفكرين الفرنسيين اللامعين. ظهرت فيه كل صفات ايطاليا في عصر النهضة: الفنان والمقاتل والفيلسوف والقائد. لقد كان كما يقول توكويفيل كأفضل ما يكون الرجال, لكن دون فضيلة. وكأحكم ما يكون الرجل, لكن دون تواضع. ومع هذا فقد كان نابليون في نطاق ما هو معقول محتمل عندما توقع أن العالم قد لا يشهد نظيراً له لقرون كثيرة قادمة.

في عام 1861م, ذات صباح جميل, كان أحد المسافرين يرتحل سعياً على قدميه بعيداً عن وطنه. يتمهل المسافر وينظر إلى البقعة التي حل فيها. يتأمل الحجر على يسار إحدى الأبواب. في لحظة تأمله تلك فُتح الباب مصراعاً وخرجت منه امرأة ريفية. شاهدت المسافر وأدركت ماذا كان يتأمل. قالت له : إن إحدى قذائف المدفعية الفرنسية هي التي فعلت ذلك. فقال المسافر: وما اسم هذا المكان ؟ فقالت الفلاحة الريفية : هوغومون. رفع المسافر رأسه, خطا بضع خطوات, وأنشأ ينظر من فوق الأسيجة, لقد رأى عند الأفق, مع بعيد, شيء شبيه الأسد. كان هذا المسافر, ويا للحظ: في ساحة القتال بواترلو, وكان هذا المسافر, ويا لحظ عشاق أعماله :هو أديب فرنسا الكبير, فيكتور هيجو.

في القراءات الأدبية الشهيرة لرواية البؤساء غالباً ما يذكر في هذا العمل حديث هيجو عن نابليون و أفول نجمه في فرنسا. واللوحات القصصية التي تحكي تاريخ فرنسا في حقبة من أخطر الحقب لا في حياة هذا البلد – فرنسا – .. بل في حياة أوروبا كلها. رواية البؤساء رغم أنها معروفة على مستوى العالم بأنها تحكي حكاية البؤساء من جان فالجان إلى كوزيت ومسيو مريشيل و تينادريية إلا أنها كذلك كانت تحكي حكاية فرنسا الإمبراطورية, فرنسا نابليون بونابرت, و فرنسا الثورة الفرنسية الكبرى. أولى هذا النقاط التاريخية التي تحدث عنها هيجو في روايته البؤساء , معركة واترلو, إحدى أكبر المعارك الأرضية التي خاضها البريطانيون ضد جيش نابليون في تاريخهم الحديث. في منتصف السنة الماضية, حين كنت أقرأ البؤساء بترجمة منير البعلبكي الكاملة, قرأت أكثر من سبعين صفحة من رواية البؤساء, مخصصة بالكاملة لمعركة واترلو. قرأت هذه الصفحات مرتين, المرة الأولى كانت القراءة سريعة ولم أفهم شيئاً مما يجري في هذه الصفحات من الرواية. وأعدت القراءة بعدما تيقنت أن هذه عادة هيجو في الكتابة: يخرج متى ما أراد عن أبطال الرواية ويتحدث عن فرنسا والثورة والتاريخ .. ونابليون. لمن أراد أن يعرف عن واترلو, الحرب التي قصمت ظهر نابليون, لديه ثلاثة خيارات, إما أن يقرأ خمسة مجلدات من قصة الحضارة لويل ديورانت الخاصة بعصر نابليون, لكي يعرف القضية من البداية. أو أن يقرأ رواية البؤساء بترجمتها الكاملة ويعيش أجواء واترلو العاصفة كما كتبها هيجو شعراً ونثراً. الخيار الثالث مرتبط بالخيار الثاني, إذا قرات عن واترلو من رواية البؤساء, شاهد فيلم Waterloo للمخرج الأوكراني سيرجي بوندارشوك, الصادر عام 1970م.

شاهدت الفيلم قبل أسبوع وأنا أعرف ماذا يجري عبر بؤساء فيكتور هيجو, وشاهدت الصورة وكأن هيجو هو الكاتب والمخرج والسيناريست. يبدأ الفيلم بتوقيع نابليون للمعاهدة الشهيرة التي ألقت به في منفياً في جزيرة ألبا, وهو يتملكه الغضب الشديد نتيجو انهيار كل شيء أمامه. انهيار فرنسا والإمبراطورية والإمبراطور. العرش: ليس العرش مجرد قطعة أثاث مزينة جيداً, بل ماوراء العرش كما يرى نابليون: ذكائي، طموحاتي، رغباتي، أملي، خيالي. بعدما ملئ أوروبا رعباً لخمسة عشر سنة أصبح حاكما لجزيرة صغيرة لا يوجد فيها إلا ثلة من حرس الشرف الخاصة به. أشيد بذكاء المخرج الذي اقتبس كلمات نابليون نفسها عندما ودع جنوده وهو يهم بالمغادرة إلى جزيرة ألبا : أيها الجنود, يا حرسي القديم, بعد 20 سنة جئت لأقول لكم: وداعاً. فرنسا سقطت. من أجل ذلك تذكروني, مع أني أحبكم جميعاً, لا أستطيع معانقتكم جميعاً.. تذكروني بهذه القبلة لهذا العلم, علم نابليون, علم فرنسا, وداعاً، جنودي, وداعاً، أبنائي, ووداعاً، يا أطفالي. فى مايو1814م أبحر نابليون إلى منفاه في جزيرة إلبا الصغيرة فى البحر المتوسط. بعد 10 شهور هرب نابليون من إلبا فى مغامرة مجنونة, بأقل من ألف رجل يريد أن يغزو أوروبا من جديد, ومن هنا تبدأ المعركة, معركة واترلو, بعنيدين اثنين: نابليون, والدوق الحديدي, الإنجليزي ولينغتون. اقتبس هذه السطور البسيطة من فصل معركة واترلو لفيكتور هيجو, لأنها من أجمل الصفحات التي قرأت عن تلك المعركة المجنونة :

” .. هوغومون, كانت تلك هي البقعة المشؤومة, وبدء المقاومة. أول عائق لقيه في واترلو حطاب أوروبا العظيم , نابليون بونابرت, أول عقدة تعترض سبيل الفأس. ذلك هو الفناء الذي كان احتلاله حُلم نابليون, ولو قد وفق إلى الإستيلاء على تلك الزاوية من الأرض لكان من الجائز أن تهبه الدنيا كلها. إن عاصفة الصراع لا تزال في هذا الفناء, وإن الهول لا يزال مشهوداً هناك. إن الدمار الناشيء عن القتال لمتحجر في تلك البقعة. هذا يحيا, وهذا يموت, لكأن ذلك كان بالأمس. إن الجدارن لتتساقط, وإن الثلم لتصيح, إن الحفر جراحات, وإن الشجر وقد انجنت وارتعشت تبدو و كأنها تبذل جهدها لكي تفر.

هذا البستان سريع الإستجابة, شأن غيره من البساتين. إن له براعمه الذهبية وأقاحية الصغيرة. إن العشب هناك عال, وخيل المحراث ترعى. إن هياكل الأشجار الميتة العظيمة لتكثر في هذا البستان, وإن الغربان لتطير على الأغصان, ووراء هذا البستان ملأى بالبنفسج. الحريق, المجزرة, المذبحة, جدول يتكون من دم إنجليزي, ومن دم ألماني, ومن دم فرنسي, امتزجت في غضب عارم, بئر مليئة بالجثث, إصابة الحرس الإنجليزي بالتشوه الجسماني, هلاك عشرين فوجاً من أصل أربعين فوجاً من قوات راي الفرنسية, ثلاثة آلاف رجل قتلوا بحد السيف, في طلل هوغومون هذا وحده, وأثخنوا بالجراح, و ذبحوا, وصرعوا برصاص البنادق, و أحرقوا النيران .. وكل ذلك يستيطع ريفي أن يقول اليوم لأحد السياح : سيدي أعطني ثلاث فرنكات إذا أحببت و أشرح لك مسألة واترلو!

لو أن المطر لم يهطل ليل 71 حزيران 1815م لكان مستقبل أوروبا قد تغير. إن بضع قطرات من الماء جنحت بنابليون إلى السقوط. فلكي تكون واترلو خاتمو أوسترليتز لم تكن العناية الإلهية في حاجة إلى غير قليل من المطر, فإذا بسحابة تجتاز السماء في غير أوانها تكفي لإنهيار عالم. لو كانت الأرض جافة و تمكنت المدفعية من التحرك لكان في إمكان القتال أن يبدأ في السادسة صباحاً. ولكانت المعركة كُسبت و اختتمت في الساعة الثانية.

إلى أي مدى تقع مسؤولية الإنهزام في هذه المعركة على عاتق نابليون؟
هل كان انحطاط نابليون المادي الواضح مصحوباً آنذاك بانحطاط ذهني ما ؟
هل استطاعت العشرون سنة التي عاشها في ميدان القتال أن تبلي النصل كما أبلت الغمد وتوهن الروح كما أوهنت الجسد ؟

كان نابليون ضابط مدفعية, وهو لم ينس ذلك قط. كان يعامل استراتيجية القائد العدو معاملته لقلعة على مدينة, فهو يهاجمها بالمدافع. إن تحطيم القوات المتجمعة في مربعات و سحق الكتائب و قطع الخطوط و تفتيت الحشود و بعثرتها, كل ذلك كان نابليون يتوسل إلى تحقيقه بأن يضرب و يضرب و يضرب من غير انقطاع. وكان يعهد في هذا الواجب إلى قذيفة الدفع. طريقة رهيبة استطاعت و قد أردفت بالعبقرية أن تجعل من جبار ملاكمة الحرب هذا, الكالح الوجه رجلاً لا سبيل إلى قهره طوال خمسة عشر سنة. لقد تعود أن يحدق إلى الحرب تحديقاً. إنه ما كان يجري جميع التفاصيل الموجعة رقماً رقماً. فلم تكن الأرقام لتهمه إلا إذا أعطت هذا الحاصل : النصر! على رغم من أن طلائع المعركة كانت سيئة فلم يزعجه ذلك, و كيف يزعجه وهو الذي اعتقد أنه سيد النهاية ومالكها. كان يعرف كيف ينتظر معتبراً نفسه في عصمة الطوارئ, معاملاً القدر كما يعامل الند للند. لقد بدأ وكانه يقول لهذا القدر : أنت لن تجرؤ.

أما ولينغتون, القائد الأنجليزي فكان حكيما متبصراً. وقد درس هذا السهل في السنة المنصرمة بوصفه موقعاً يمكن أن تدور فيه رحى معركة عظيمة, وعلى هذه الأرض ومن أجل هذه المبارزة كان ولينغتون في الجانب الأفضل وكان نابليون في الجانب الأسوأ. كان قلقاً بعض الشيء لكنه ثابت الجنان. كان ممتطياً صهوة جواده وقد ظل هناك طوال نهار محتفظاً بالوضح نفسه. كان باسلاً على نحو خال من الشعور. لقد انهمرت القذائف إنهمار المطر, وكان غوردن أحد قواده العسكريين قد صرع اللحظة في جانبه, وقال لأحد قواده اصمدوا هنا حتى الرجل الاخير, كان واضحاً في مسار الحرب الأولية أن كفة الفرنسيين هي الراجحه, فصاح ولينغتون برفاقه القدماء : أيها الغلمان, يجب أن لا نهزم, فكروا بإنجلترا العجوز! يجب أن نموت فوق هذه الأرض التي نحتلها الآن!

أكان من الممكن أن يكسب نابليون هذه المعركة؟
نحن نجيب بقولنا لا. لماذا ؟
بسبب من ولينغتون, بسبب من بلوخر؟
لا, بل بسبب من الله.

فلأن ينتصر نابليون في واترلو شيء لم يكن في قانون القرن التاسع عشر. كانت سلسلة جديدة من الوقائع على وشك الوقوع, سلسلة لم يكن نابليون أيما مكان فيها. وكانت نية الاحداث السيئة قد تجلت منذ زمن طويل. لقد حان سقوط هذا الرجل الهائل. إن وطأة هذا الرجل المفرطة على المصير الإنساني قد أخلت بالتوازن. فقد كان هذا الفرد يساوي وحده المجموع الكوني. وهذا الفيض من كامل الحيوية البشرية المركز في رأس واحد, وهذه الدنيا الممتطية دماغ رجل واحد, خليق بهما أن يصبحا شؤوماً على الحضارة إذا استمرا. لقد آن للعدالة العليا النزيهة أن تتدبر الأمر, وأغلب الظن أن المبادئ و العناصر التي تقوم عليها الجاذبيات القياسية في النظام الأخلاقي وفي النظام المادي جميعاً قد بدأت تتذمر. فالدماء التي يتصاعد منها البخار, والمدافن المزدحمة بسكانها, و الأمهات السافحات الدمع, كل أولئك محامون مخيفون, حين تشكو الأرض ضيقاً شديداً, تسمعها السماء, لقد شُكي نابليون إلى اللانهاية, وكن سقوطه مقرراً.

لقد أغضب الله.
إن واترلو ليست معركة على الإطلاق, إنها تغير في جبه الكون.
في ذلك اليوم تغير مستقبل الجنس البشري. إن واترلو هي مفصل الباب الذي دار عليه القرن التاسع عشر, فكان زوال الرجل العظيم ضرورياً لمجيء القرن العظيم. لقد تولى هذا المهمة كائن ما لا يناقش في إرادته, وهكذا يفصح ذعر الأبطال عن نفسه. إن معركة واترلو أكثر من سحابة, إن فيها شهباً, لقد مر الله من فوقها.

ماهي واترلو؟
إنها يانصيب ربحته أوروبا و دفعته فرنسا. و واترلو فوق هذا أعجب معركة في التاريخ. نابليون و ولينغتون: إنهما ليسا عدوين, إنهما نقيضان. فلم يقم الله مغايرة أكثر روعة والتقاء أشد خروجاً على نسق العادة. فمن جانب كانت الدقة و التبصر و الهندسة و الفطنة و التقهقر المضمون والإحتياطي المقتصد فيه, ورباطة الجأش العنيدة و طريقة ثابتة الجنان, واستراتيجية تقوم على الاستفادة من الأرض, و فن حربي يهدف إلى إقامة الموازنة بين الأفواج, ومجزرة تساق إلى خط القتال, و حرب تدار والساعة في اليد, وعدم ترك شيء للمصادفة, وشجاعة كلاسيكية قديمة و الضبط المطلق .. ومن جانب آخر كان الحدس والإلهام والأعجوبة العسكرية والغريزة فوق البشرية واللمحة المتهبة, وشيء خفي يحدث كالنسر ويعصف كالصاعقة, وفن مدهش في اندفاع ينضح بالإحتقار, وجميع أعاجيب النفس البعيدة الغور, والألفة مع القدر, ودعوة النهر والسهل والغابة والكثيب, بل إكراهها بمعنى من المعاني على الخضوع, وذهب الطاغية إلى حد فرض طغيانه في ميدان المعركة, والإيمان بطالع مقرون إلى العلم الإستراتيجي فهو يزيده, ولكنه يكدره. كان ولينغتون باريم الحرب, وكان نابليون ميكال آنجلها, وهذه المرة غلب الحساب العبقرية.

إن واترلو معركة من الطراز الاول كسبها قائد من الطراز الثاني. إن ما ينبغي أن نعجب به في معركة واترلو هو إنجلترا, هو الصلابة الأنجليزية, هو العزم الإنجليزي, هو الدم الإنجليزي. لقد كان ولينغتون عنيداً وتلك موهبته, بيد أن أصغر جندي من جنوده تكشف عن صلابة لا تقل عن صلابته. كان الجندي الإنجليزي يعدل الدوق الحديدي ولينغتون. ”

إلى منزل تشارلز ديكنز

” تشارلز ديكنز هو أحبُ الروائيين الإنجليز إلى قلوب الناس, ولعله أعظمهم غير مُنازع. إنه شعلة مكشوفة من عبقرية فطرية ترسل نوراً لم يعرف البحر ولم تعرف الأرض نظيراً له من قبل “
تشيسترتون.

عندما عزم ديكنز على أن يقرأ فصول من أعماله للعامة, وعندما واجه جمهوره لأول مرة وجهاً لوجه, حدث ما لم يكن في الحسبان: اقتحم الناس القاعات كعاصفة هوجاء, وتمسك المتحمسون الذين لم يستطيعوا الدخول بأوتاد الأعمدة, وتسللوا تحت منصة الإلقاء لمجرد أن يقدروا على سماع الكاتب الأكثر شعبية في ذلك العصر. وفي أمريكا, نام البسطاء والقراء في الشوارع في محاولة قصوى للدخول. كان الخدم يأتونهم بالطعام, غير أن الإكتساح الشعبي اتخذ طابعاً لا سبيل إلى إيقافه, وأصبحت القاعة الكبيرة التي تتسع لعدد كبير, صغيرة جداً لا تكفي لتلك الأعداد الغفيرة. وفي النهاية: فُتحت لديكنز كنيسة في بروكلين لتكون قاعة إلقاء. ومن المنبر قرأ أوليفر تويست, وقصة نيل الصغيرة.

يشير ستيفان تسافيج في كتابه بناة العالم أن ديكنز هو الأديب العظيم الوحيد في ذلك القرن الذي كانت سريرته تتطابق تطابقاً تاماً مع الحاجة الروحية لعصره, وأعماله الأدبية تتطابق تطابقاً تاماً مع ذوق انجلترا في ذلك الوقت: هو الفكاهة, والملاحظة, والأخلاق, والجماليات, والمضمون الفكري والفني, وهو حس الحياة الفريد في نوعه. لم يتجاوز طوال حياته حدود انجلترا الفنية أو الأخلاقية أو الجمالية. ولم يكن ثورياً, كان الفنان فيه يطمئن إلى الإنجليزي ويذوب فيه شيئاً فشيئاً.

” لا أستطيع أن أمحي تلك الأيام من ذاكرتي أبداً “
نزل إلى الدرك الأسف من الفقر, عندما تم زج جون ديكنز في السجن وأصبح وهو طفل يعمل في مصنع لتلميع الأحذية مقابل ستة شلنات في الأسبوع. عهد بؤس مطلق وإذلال ويأس بالغين. ضاع شبابه في مهن بائسه. يجلس في تلك الغرفة القذرة, التي لا تدخل الشمس من خلالها, فوق مخزن هنجر فورد, يطلي الأحذية, ويعقد الخيوط للمئات منها كل يوم إلى أن التهبت يداه الصغيرتان ذات يوم. ذاق الجوع والفقر والحرمان في ساعات الفجر الضبابية الباردة في شوارع لندن. لم تكن الأبواب قد فُتحت له, ولم يعرف الخير إلا مع الضعفاء, ومن أجل ذلك لم يكن يريد العطاء إلا إلى هؤلاء. كانت طفولته هي المعاناة المأساوية الشعرية. تربت تلك الروح الإبداعية في غابة موحشة من الألم الصامت. وكانت أعمق رغبة روحية لديه, حين تهيأت له القوة وإمكانية التأثير على نطاق واسع, أن ينتقم لهذه الطفولة. : أن يساعد كل الأطفال المساكين والمشردين المنسيين الذين عانوا من الجور مثلما عانى هو فيما سلف, أن يثأر من المدرسين الفاسدين والمدارس المهملة والوالدين اللامباليين.

” تلك الفترة .. إحساس كامل بالخذلان “
لم يكن مرد الإحساس بالخذلان فقط إلى حقيقة أنه, وهو طفل من الطبقة المتوسطة كان دائماً بالغ الإحساس بالطبقة, قد أسند إليه العمل بين العاملين من الفقراء. ما يطارده أشبه ما يكون بالخذلان العاطفي. عمل في مصنع الدهانات لمدة ستة أشهر فقط. ثم ما لبث أن خرج منه بسبب شجار أبيه مع مدير المصنع. ولكن أمه حاولت الإصلاح ما بين الطرفين المتنازعين بغية إرجاع الصبي للعمل من جديد. وكان هذا هو الجرح الذي لم يبرأ, وقد كتب ديكنز عن هذه التجربة بعد ذلك بسنوات : ” لم أنسى بعد ذلك أبداً .. ولن أنسى أبداً .. ولا أملك أن أنسى أبداً, أن أمي كانت شديدة العزم في إعادتي “

يقول ستيفان في تصوير بديع لعالم ديكنز : كان يريد أن ينقذ لهؤلاء الأطفال بعض أزهار مسرات الطفولة الملونة, تلك الأزهار التي تولاها الذبول في صدره إذ حُرمت ندى الخير. لم يكن يعرف شيئاً يشكو منه, غير أن الطفولة كانت تنادي بالثأر. كانت الرغبة الأخلاقية الوحيدة, والإرادة الحيوية الداخلية لأدبه معونة هؤلاء الضعفاء: فههنا كان يريد إصلاح نظام الحياة المعاصر. لم يكن يرفضه, لم يكن يتصدى لمعايير الدولة, هو لا يهدد, ولا يرفع القبضة ضد الجنس البشري بأسره, وضد المشرعين والمواطنين, وضد زيف التقاليد, بل يومئ فحسب, هنا وهناك, بإصبع حذرة إلى جرح مفتوح!

ما يقارب السنة أو السنة والنصف على وجه التقريب, أمسكت رائعة ديكنز الآمال العظيمة, وشاهدت الفيلم القديم المقتبس من الرواية والمسلسل المقتبس من الرواية كذلك, من إصدار الـ بي بي سي. لكن شيئاً ما يرفض داخلي أن أكتب عن ديكنز. لم يحن الوقت بعد. عندما أبدأ بقراءة الأعمال الكلاسيكية أفضل الدخول في عوالم الأدباء وحياتهم وقراءة السير الذاتية الخاصة بهم, أو حتى القراءة عن تلك العصور الثقافية ومعرفة العلاقة التي تربط بين الجمهور والمؤلف تلك الفترة. وهو ما لم يحدث مع ديكنز أبداً. لا أنكر أني نادم أشد الندم على عدم القراءة لديكنز وعصره وأعماله, وكل ذلك بسبب كتاب يتجاوز الألفي صفحة وجدته على قارعة شوارع لندن عند أحد الباعة الجوالة, يضم جميع أعمال تشارلز ديكنز الروائية. ياللهول! استحوذ الكتاب عليّ بشكل كليّ. يبدو أنه نسخة قديمة تقاذفتها أيادي القراء لعشرات السنين حتى وصلت إلى بائع الكتب هذا.

أحب مشاهدة الكتب القديمة وحتى البورتريه لمؤلفين كلاسيكيين. كُنت قد نشرت سابقاً بورتريه لبايرون, أعظم شعراء العصر الرومانسي وهو مرتدي الزي التركي فارداَ شاربيه كالأتراك. وشاهدتها قبل فترة في معرض البورتريه الوطني بلندن بشكلها الطبيعي الكامل. ولكن بايرون لم يثير فيني مثل ما أثارته صورة الطفل أعلاه, لوحة تشارلز ديكنز وهو صبي لصامويل. إذا كانت لهذه الدرجة درجة الإفتتان. لما لا أزور منزل ديكنز إذاً؟ ألا يوجد له منزل في لندن؟ لم أبحث في محركات البحث, إذ وجدت الإشارة إلى متحف تشارلز ديكنز عند محطة راسل سكوير باتجاه الشرق. سرت مسافة طويلة أنا و زوجتي على أمل أن المتحف قريب جداً, وكانت المصادفة أني مشيت لأكثر من ثلاثة أرباع الساعة أتجول في المنطقة المتواضعة بحثاً عن شارع 48 داوتي ستريت.

ووصلت أخيراً للمكان الذي كانت تنطلق منه الكراسات الشهرية الصفراء لعموم القراء الإنجليز في العصر الفيكتوري. مكان الكاتب الشهير “بُوز BOZ”. لم يكن القراء في تلك الفترة يستطيعون انتظار ساعي البريد في البيت. يتذرعون بالصبر والأمل, ويتنازعون : أيتزوج كوبرفيلد دورا أم أجنس؟ ويبتهجون إذا وصلت أحوال ميكوبرز إلى أزمة من جديد. كانوا جميعاً شباباً وشيوخاً يتقدمون مسافة ميلين لإنتظار الرجل المرحب به على الدوام: رجل البريد الذي يحمل مرح وفكاهة وفقر بوز. تشارلز ديكنز. هنا في منزل تشارلز ديكنز, وأنا أهم بالدخول كنت أحاول تذكر السطور الخمسة الأولى من قصة مدينتين, والتي أعتبرها من أجمل المقدمات الروائية الكلاسيكية على الإطلاق : ” كان أحسن الأزمان, وكان أسوأ الأزمان. كان عصر الحكمة, وكان عصر الحماقة. كان عهد الإيمان, وكان عهد الجحود. كان زمن النور, وكان زمان الظلمة. كان ربيع الأمل, وكان شتاء القنوط. كان أمامنا كل شيء, ولم يكن أمامنا شيء. كنا جميعاً ماضين إلى الجنة مباشرة, وكنا جميعاً ماضين إلى جهنم مباشرة.”

* لصعوبة نشر كل الصور الأربعين, رفعتها في ملف مضغوط لمن يريد المشاهدة هنا

North & South

شاهدت بالأمس مسلسل North & South من إنتاج الـ BBC وتأليف الروائية الإنجليزية إليزابيث غاسكل. عندما يعجبني عمل فني مبدع وذكي لا أستطيع أن أجمع محاور الحديث عنه لأن الكلمات تفر ولا أجد كلمات تستطيع أن توفي العمل الفني حقه الكامل. أعتقد بأن رأيي كان صائباً عندما قلت أن تجسيد الرواية العظيمة عبر حلقات مطولة هو الترجمة المميزة لعمل فني مكتوب على الورق. وإصدارات البي بي سي بالتحديد عبر تجسيد أغلب الروايات الإنجليزية الكلاسيكية عبر عدة حلقات تعطي الرواية حقها الكامل: بالحوارات والمونولوج والوصف الفني والطبيعة والشخصيات.

أبدأ بعنوان الرواية/ المسلسل, الشمال والجنوب, North & South. ترتبط شخصيات العمل الفني روحياً وعاطفياً وأخلاقياً بروح المدينة واتجاهاتها وعلاقة السكان بعضهم ببعض. سكان الجنوب يميلون للتدين والعطف على الفقراء, وأغلب أعمالهم تتعلق بالزراعة والحصاد. وهم إلى ذلك شخصيات تعبر عن عواطفها مباشرة رغم حدتها, فلا مجال للكذب أو المراوغة. وكل ذلك يتأتي من طبيعة تلك الأرض الخضراء الممتدة. سكان الأرياف كما يقول هيجو هادئون, ميالون للسلام والإبتعاد عن المنغصات مهما كانت. أما الشمال فهو يشير إلى عالم الثورة الصناعية, عالم المال والأعمال والدخان المنبعث من المصانع, إنه عالم أسود, عالم العلاقة السيئة بين سيد العمل والعمال, هذا العالم في حالة حركة دائمة ومستمرة وعاصفة, تأثير رجل الأعمال يمتد ليشمل جميع العمال العاملون في المصنع بعكس الجنوب الذي يركن فيه كل إنسان لوحده.

يقرر القس ريتشارد هايل التخلي عن العمل الكنسي ومغادرة أرض الجنوب الإنجليزي إلى الشمال بسبب عدم موافقته الإنصياع لرأي قس صغير في السن أصبح مسؤولاً عنه في تلك المنطقة. بطلة الرواية / المسلسل مارغريت هايل, ابنة القس السابق حين تفد إلى أراضي الشمال تتفاجأ بهذا العالم الذي لا يحكمه ضمير, العمال يعملون بصورة رهيبة ولوقت طويل, وفي ظروف طبية وصحية سيئة. لم يعد هناك الطبيعة الخضراء, بل ماكينات المصانع والمداخن التي تلوث الجو وتعبث بالجميع. تستطيع مارغريت بشعور أهل الريف الجنوبي تكوين صداقات مع بعض عمال المصانع وأهاليهم, ومنهم نيكولا هيقنز, العضو بالإتحاد العمالي والعامل في مصنع جون ثورنتن.

أعجبتني المؤلفة جداً حين قررت أن يكون صدام الشمال والجنوب عبر شخصيتين تمثلان هذه المناطق, مارغريت هايل مقابل جون ثورنتن, رجل الأعمال المتشدد. تخوض هاتين الشخصيتين صراعات منطقية حول صواب رأي كلاً منهما, جون ثورنتن رجل أعمال بنى مصنع القطن من اللاشيء, ويمارس القسوة تجاه العمال خوفاً من الفشل والسقوط المريع الذي ذهب ضحيته والده وهو صغير. أما مارغريت على العكس من ذلك, فهي تقابل الشدة والضرب من قبل جون ثورنتن تجاه العمال بالعطف عليهم والإحسان والتبرع لهم.

ترفع غاسكل من وتيرة الشمال والجنوب حين يقرر عمال المصنع بقيادة هيقنز الإضراب عن العمل في مصنع جون ثورنتن من أجل زيادة الرواتب وتحسين شروط العمل. أصبح الموضوع الآن الصدام بين رأس المال والعمل, الثورة الصناعية, لماذا يتحتم وجود البطالة, وكيف يجب أن يتصرف العمال عندما يجدون عائلاتهم تهلك جوعاً؟ الثورة الصناعية لم تغير شيئاً, لكنها أطلعت الجمهور على مساوئ كانت موجودة دائماً. كان هناك سكر, ومصانع تعمل في القباء وتسيء استغلال العمال, واستغلال الاطفال في الصناعة, لكن وجودها على هذا النطاق الهائل لم يدع هناك مهرباً من الإحساس بها. كان الفساد وشعور التعاسة اللتان نجمتا عنها من العظمة بمكان بحيث لم يكن بمقدور أي إنسان أن يتأملها دون أن تنتابه قشعريرة. في القرن الثامن عشر كان طغيان الإنسان على الإنسان هو الأكثر تأثيراً, أما في القرن التاسع عشر فحل طغيان أكثر تعقيداً: طغيان القوى الإقتصادية. وهذا ما نشاهده بالتحديد في هذا المسلسل.

ما يمثل حدود إليزابيث غاسكل كروائية هو أنها بالرغم من تصويرها الجيد لنتائج أمانة ريتشارد هايل, من حيث اليسر المادي, فهي لا تعطينا أية فكرة عن طبيعة حيرته الفكرية, حتى أن الحيرة نفسها في الواقع تبدو غير حقيقية لنا. لكن سلوكه يأتي بمارغريت ذات الإنتماء الأصيل إلى مانشيستر ونحن نجد الصراع بينها وبين ثورنتن دراسة من الدرجة الأولى, للصراع بين الشمال والجنوب. يبدو الشمال لمارغريت همجياً غريباً. إنها ترفض الحضارة. لا يستشعر القارئ لروايات العصر الفيكتوري ذلك الإحساس القوي بان انجلترا عبارة عن أمتين: أمة الشمال الصناعي, وأمة الجنوب الريفي. القارئ والمشاهد سوف يكتشف الشمال انطلاقاً من الجنوب, من مارغريت هايل نفسها. نكتشفه على نحو خاص في شخصية جون ثورنتن, صانع القطن الواثق من نفسه. جون ثورنتن هو أنجح شخصيات إليزابيث غاسكيل من الذكور, وهو بالنسبة لي كرجل يفوق أياً من رجال تشارلوت برونتي وجين أوستن اقناعاً بكثير. هو ليس شخصية خيالية, فهو نتاج ملاحظة امرأة تعرف العالم, وتحكم عليه في الرواية فتاة ذات شجاعة فائقة وذكاء وقيم راسخة. وينشأ عن الصراع بين قيم مارغريت وقيم ثورنتن جزء كبير من حقيقة ثورنتن. وتحقق غاسكل نجاحاً خاصاً في تصوير جزء من جوانب ثورنتن الإجتماعية, بما في ذلك الصفات التي تجعل منه واحداً من أصحاب المصانع في تلك الفترة. وهناك على سبيل المثال, المشهد البالغ الدقة, والذي يلتقي فيه رجل الأعمال ثورنتن وزعيم الإضراب هيجنز كنتيجة لمساعي مارجريت في نوع من الصداقة الحذرة تقوم على معرفة كل واحد منهما بأن الآخر عدواً له.

لا أريد أن أعقد مقارنات بين الشمال والجنوب لغاسكل وروايات جين أوستن, منها على سبيل المثال Pride and Prejudice. عندما قرأت الرواية قبل ثلاثة أشهر لم أجد شيئاً يجبرني على الإستمرار والقراءة, أو حتى مشاهدة المسلسل المقتبس من الرواية بسرعة. تدور أغلب ثيمات جين أوستن حول سعي الفتاة الحثيث للظفر برجل للزواج منه. قد ينبع ذلك من سيرة جين أوستن, ولكن أبداً لم أجد ذلك الإحساس بالجمال وقوة الرواية. والعكس من ذلك, رواية جاسكل البديعة التي صنعت قصة رومانسية ناتجة عن صراع طبقي بين الغنى والفقر, بين الشمال والجنوب. ورغم ذلك, لا أنفي جمال المسلسل المقتبس من الرواية, والذي صدر عام 1995 من إصدار الـ BBC.

من المربك حقاً كتابة مقال عن موسوعة فكرية بحجم أُمبرتو إيكو, إذ كيف يمكن الإحاطة برجل مثل قامته الشمولية! فهو منظر وناقد أدبي, وباحث في الفلسفة وعلم الجمال والشعر ووسائل الإعلام والترجمة, وعالم بالرموز والعلامات, وروائي وفيلسوف, و مؤرخ, وصحافي, وأستاذ جامعي, وناشر كتب للأطفال, ومؤلف قصص مصوّرة, ومؤسس مجلات أدبية, وأخيراً: أحد أبرز رموز السيميائية في القرن العشرين.

ولد أُمبرتو إيكو في ألساندريا بإيطاليا عام 1932، وفي بداية حياته درس الفلسفة فحصل على إجازة في الفلسفة من جامعة تورينو عام 1954 عن بحث بعنوان القضية الجمالية عند القديس توما الأكويني. ثم وجه اهتمامه بعد أن أصبح عام 1961 أستاذا للجمالية في جامعة تورينو إلى الشعر الطليعي والثقافة الجماهيرية، وبعد ذلك تخصص في علم السيميائيات والأبحاث المتعلقة بنظريات الأدب, ومنذ عام 1975 أصبح أستاذ جامعياً في علم السيميائيات بجامعة بولون. وأثناء هذه المسيرة ألف أُمبرتو إيكو مجموعة من الأعمال الروائية التي لفتت الانتباه وطرحت الأسئلة. من أهم مؤلفاته النقدية: العمل المفتوح, والبنية الغائبة, تاريخ الجمال, و العلامة تحليل المفهوم وتاريخه, والسيميائيات وفلسفة اللغة, وحدود التأويل, وست رحلات في أدغال السردية, والقارئ في الحكاية. أما في مجال الرواية فقد نشر روايته الأولى اسم الوردة التي قضى في كتابتها خمس عشرة سنة. عندما نشر أُمبرتو إيكو رواية اسم الوردة كان نجاحها العالمي مفاجأة بكل المقاييس. فلم يسبق لشخص متخصص بأحد أصعب العلوم الإنسانية الحديثة أن أنتج عملاً أدبياً مهماً. وأصدر في فترة لاحقة روايته الثانية بندول فوكو, كما أصدر عدة روايات: جزيرة اليوم السابق, باودلينيو, كيفية السفر مع سلمون, اللهب الغامض للملكة لوانا.

ماسر هذا التنوع والغزارة في نتاج أُمبرتو إيكو؟
هناك إجابتان على هذا السؤال حسب تصور أُمبرتو إيكو, الأول علمي والثاني فلسفي. أما العلمي فهو في بداية أبحاثه الجمالية بدأ يهتم بالشعر والفنون, وبينما هو منكب في هذا الاتجاه حاول إيجاد طريقة تجمع مختلف كل هذا الإتجاهات عن طريق أنظمة التواصل الجماهيرية والشعبية. يبدأ الشيء صغيراً جداً حتى يكبر ويحتاج لنظرية تحتوي جميع أنظمة التواصل والجماليات والفنون, فوجد هذه النظرية في علم الرموز والعلامات والسيميائيات. ثم فُتح باب الرواية ليكون ميداناً عملياً لتطبيق مختلف الأفكار النقدية التي يحمل. أما الإجابة الفلسفية, فيقول إيكو: أعطاني إياها أحد أساتذتي عندما كُنت فتياً. إذ قال لي يوماً : يجب أن تعرف يا أُمبرتو أننا نولد وفي رأسنا فكرة واحدة, وأننا نعيش كل حياتنا ساعين وراء تلك الفكرة بالذات. أذكر أني أعتقدتُ يومذاك أن أستاذي هذا في غاية الرجعية, لإلغائه كل احتمالات التغيير لدى الإنسان. لكني إذا رحتُ أنضج, اكتشفتُ أنه على حق, وأني طوال حياتي لم أسع إلا وراء فكرة واحدة فقط لا غير: المشكلة هي أني لم أعرف بعد ماهي تلك الفكرة! لكني متفائل وآمل في اكتشافها قبل موتي.

إيكو عاشق للكتابة ومغرم بها، وله آراء قيمة تتعلق بالكتابة مفهوماً وممارسة. وفي هذا الصدد يقول: أكتب لأنني أحب أن أكتب. والكتاب هو عشيقة تعيش معكم دون أن يعلم أحد شيئا. إنه سركم الصغير. إننا نتألم في البداية لأننا لا نعرف من أين نبدأ، ونتألم في الوسط لأننا لا نعرف كيف نجعل الحكاية تتقدم، ولكن ذلك يصبح متعة حقيقية. وحين ينتهي الكتاب لن يبقى إلا الحوارات وهي بالنسبة لي عبارة عن مأتم.

شغف إيكو بالكتابة حوّل أغلب أعماله النقدية إلى قصص, في كتاب العلامة تحليل المفهوم وتاريخه على سبيل المثال نقرأ في الفصل الأول قصة رمزية تبين الطريقة التي يريد بها المؤلف أن يصل إلى أكبر شريحة من القراء عن طريقة قصة السيد سيغما, سأتحدث عن هذه القصة لاحقا, ولنكتشف سر الإثارة القصصية في أبحاث إيكو النقدية. عندما قدم إيكو أطروحة الدكتوراة حول القضية الجمالية عند القديس توما الأكويني لاحظ أحد المشرفين على البحث أن البحث كُتب وكأنها قصة بوليسية وليست بحث علمي. يعترف إيكو بأنه يفضل هذه الطريقة من كتابة البحوث. الباحث المتمرس والبارع يجب ألا يكتفي بعرض استنتاجات بحوثه, بل عليه أن يروي قصة البحث. ولهذا السبب توصف كتابات إيكو النقدية بأنها تنتمي إلى الكتابة الروائية, يقول : إنها القصة البوليسية التي أنكب على حلها في تلك اللحظة, والتي ينبغي لي إبراز الحبكة فيها, والضحايا, والمذنبين وعواقب أفعالهم.

وبين النقد وعلم الرموز تبرز في الأفق رواية اسم الوردة التي أكسبت الأستاذ الجامعي صفة البروفيسور النجم. فهو لم يكتب الرواية وهو في سن متوسطة أو صغيرة, بل في خمسينيات العمر, أصدر روايته الأولى التي أكسبتها شعبية جارفة. ما يلفت الانتباه إلى هذه الرواية أن أُمبرتو أراد في البداية أن تصدر الرواية في سلسلة خاصة بالكتب النخبوية وذات الطابع الخاص الغير جماهيري. هذا أمر في البداية غير مستغرب, فالرواية قصة بوليسية تدور أحداثها في القرون الوسطى, وعنُيت بشكل خاص بإعادة بناء تاريخ تلك المرحلة واستعادة جدالاتها الإيديولوجية. بالإضافة لصعوبة الإمساك بزمام الرواية في المائتين الصفحة الأولى من الرواية. ولذلك نجد بعض القراء يتركون الرواية إما لصعوبتها, أو بسبب إمساك أُمبرتو إيكو للسرد بشكل كثيف وعالي. عندما قرأ أحد أصحاب دور النشر الرواية قبل إصدارها, تحمس لها بشكل شديد وقرر طبع ثلاثين ألف نسخة في الطبعة الأولى, كان رد إيكو على هذا العرض بأن الناشر فقد صوابه. الصحيح أن أُمبرتو تفاجأ بهذا النجاح الباهر لإسم الوردة, قد يكون مرد ذلك إلى الفيلم الذي حقق شهرة واسعة للرواية, ولكن, إن لم تكن الرواية قائمة على أسس قوية, من الغير الممكن أن تحقق النجاح المرجو.

القراءة لإيكو متعة لا يوجد مايضاهيها. يعود السبب في ذلك إلى ثقافة أُمبرتو الموسوعية بلا شك, وهناك جانب ثاني يختص بالقارئ, تسمى هذه الحالة : إنهاك القارئ. يعترف إيكو بداية أن أعماله الروائية صعبة, ومع ذلك تحقق النجاح. القارئ حسب إيكو يجب أن يتعرض للإنهاك. مل الناس الأعمال الروائية السهلة. هم في حاجة إلى تجربة معقدة ومتعبة, تنطوي على تحديات كفيلة أن تشعرهم بالرضا عن أنفسهم وعن قدراتهم الفكرية. القارئ المثقف القادر على قراءة الأعمال الصعبة يجب عليه حين يقرر قراءة رواية أن يقرأ رواية صعبة ليكتشف نفسه, يجب أن يقرأ يوليسس لجويس, والبحث عن الزمن الضائع لمارسيل بروست.

لم يقدم أُمبرتو إيكو تعريف محدد للتأويل, ولكن, بالإمكان استخراج هذا التعريف من المحاضرات التي ألقاها في جامعة يال الأمريكية, والتي تناول فيها التأويل, والعلاقة بين المؤلف والنص, والتأويل المضاعف للنصوص. والتي صدرت في كتاب من المركز الثقافي العربي بترجمة القدير سعيد بنكراد بعنوان التأويل بين السيميائيات والتفكيكية. التأويل كتعريف كما جاء في محاضرات إيكو : هو تفاعل مع نص العالم, أو تفاعل مع عالم النص عبر إنتاج نصوص أخرى. فشرح الطريقة التي يشتغل من خلالها النظام الشمسي, استناداً إلى قوانين نيوتن, يعد شكلاً من أشكال التأويل, تماماً كما الإدلاء بسلسلة من المقترحات الخاصة بمدلول نص ما. لم تعد القضية هي هل العالم نص قابل للتأويل أم لا, بل أصبحت هل هناك مدلول ثابت أم هناك مدلولات متعددة, أم على العكس من ذلك, أي لا وجود لأي مدلول على الإطلاق.

ينطلق إيكو في معالجته لقضايا التأويل من تصور يرى في التأويل وأشكاله صياغات جديدة لقضايا فلسفية ومعرفية موغلة في القدم. ومن أجل ذلك, يقود أُمبرتو إيكو القارئ في رحلة فكرية داخل دهاليز التاريخ والأساطير والفلسفة والمنطق بحثاً عن جذور خفية لكل أشكال التأويل التي مورست وتمارس حالياً على النصوص, وهنا يقف عند حالتين يرى فيهما أرقى أشكال التأويل من حيث العمق والمردود : الحالة الأولى يكون فيها التأويل محكوماً بمرجعياته وحدوده وقوانينه وضوابطه الذاتية. التأويل وفق هذه الصياغة يتشكل من سلسلة قد تبدو لا متناهية. كل علامة تحيل على علامة أخرى. إلا أن ما يحدد اللامتناهي هو في ذات الوقت ما يقف حاجزاً أمام التأويل ويخضعه لإرجاعات تدرجه ضمن كون متناهي. يرد إيكو هذا النموذج إلى أصول حضارية تمتزج داخلها السياسة بالمنطق والتاريخ. الحدود هي أصل البناء: بناء المدينة وتحديد حدود الإمبراطورية وتعيين عاصمتها. الإمبراطورية موجودة لأن هناك حدود ترسم هويتها. وإذا حدث أن سقطت هذه الحدود تسقط الإمبراطورية, ويحق لأي كان أن يعين من المدن ما يشاء, وستكون العاصمة في أي نقطة على الأرض. المتناهي هو الذي يستقر على حالة بعينها ويتحدد بحدود وينتهي عند غاية. وإلى هذا التصور استندت فكرة التأويل المتناهي, أي التأويل المحكوم بغاية.

الحالة الثانية يدخل فيها التأويل متاهات لا تحكمها أي غاية. النص نسيج مركب من المرجعيات المتداخلة فيما بينها دون رقيب, ولا يحد من جبروتها أي سلطان. التأويل من هذه الزاوية لا غاية له. الغاية الوحيدة هي الإحالات ذاتها, اللذة, كل اللذة, أن لا يتوقف النص عن الإحالات وألا ينتهي عند دلالة بعينها. ولكن, هذه اللانهائية تقود إلى تدمير المبادئ التي قامت عليها العقلانية الغربية. أن يكون التأويل لا متناهياً معناه أن كل الأفكار صحيحة حتى لو تناقضت فيما بينها. وكل الإحالات ممكنة حتى لو أدت إلى إنتاج مدلولات عبثية. يجد إيكو لهذا النموذج أصولاً في تيارين فكريين بارزيين : الهرمسية والغنوصية.

في محاضرة التأويل والتاريخ يقدم إيكو مقاربة الهرمسية للنصوص. فهم يعتبرون أن النص كون مفتوح, بإمكان المؤول أن يكتشف داخله سلسلة من الروابط اللانهائية. يقول إيكو : من أجل إنقاذ النص, على القارئ أن يتخيل أن كل سطر يخفي دلالة خفية. فعوض أن تقول الكلمات, فإنها تخفي ما لا تقول. إن مجد القارئ يكمن في اكتشاف أن بإمكان النصوص أن تقول كل شيء بإستثناء ما يود الكاتب التدليل عليه. في اللحظة التي يتم الكشف عن دلالة ما, ندرك أنها ليست الدلالة الجيدة, الدلالة الجيدة ستأتي بعد ذلك. إن الأغبياء هم الذين ينهون التأويل قائلين : لقد فهمنا. إن القارئ الحقيقي هو الذي يفهم أن سر النص يكمن في عدمه.

في المقال السابق “السيميائية” ذكرت فكرة السيميائي الفرنسي رولان بارت حول موت المؤلف وولادة القارئ. إذا كان النص يفتح الباب لتأويلات متناهية أو لا متناهية, أين يكون موقع المؤلف داخل التأويل؟ هناك حالة يستحب فيها استحضار قصدية المؤلف حسب إيكو. حين يقوم النقاد بتأويل نص ما, سيكون من المفيد مساءلة المؤلف إلى أي مدى كان واعياً, باعتباره مؤلفاً محسوساً بمجمل التأويلات التي تعطى لنصه, وذلك من أجل تبيين الإختلافات بين قصد المؤلف وقصد النص. نرى هذه الإحالة إلى المؤلف إلى أُمبرتو إيكو نفسه. أحد القراء سأل أُمبرتو إيكو حول الفرق بين عجلة غيوم المذكورة في رواية اسم الوردة, وعجلة بيرنار المذكورة في نفس الرواية, ولم يستطع الإجابة! يقول إيكو في محاضرة بين المؤلف والنص : من حق القارئ أن يتساءل هل يتحدث الرجلان عن نفس الشيء؟ هل فضاعة العجلة التي يعبر عنها غيوم لا تختلف كثيراً عن فضاعة العجلة عند بيرنار؟ لقد قضي الأمر, فالنص أنتج واقعه المعنوي الخاص, وسواءً أردت ذلك أو لا, فإنني في الحالتين معاً أمام سؤال, بل استفزاز غامض. إني أشعر بحرج في تأويل ما حدث, حتى وإن كنت مقتنعاً بوجود دلالة مختفية لهذا الأمر.

هذه هي مجمل التصورات التي خرج بها إيكو السيميائي حول التأويل. ولكن, من الجانب الآخر للسيميائية, هناك جماعة ما بعد حداثية ترفض أفكار إيكو حول التأويل وتدافع بشدة عن التأويل المضاعف للنصوص. أقصد التفكيكية. في مقال لـ جاناتان كالر, أحد ممثلي التفكيكية في الولايات المتحدة رد فيها على مجمل تصورات إيكو حول التأويل.

التأويل في ذاته حسب كالر ليس في حاجة إلى من يدافع عن عنه. فهو يعيش معنا في كل لحظة, إلا أنه لا يثير اهتمامنا إلا حين يبلغ حدوده القصوى, شأنه في ذلك شأن كل الأنشطة الثقافية الأخرى. تأويل الأعمال الأدبية يجب أن لا يكون هو الهدف الأسمى للتأويل. إذا كانت مهمة النقاد هي بلورة واقتراح تأويلات فعليهم أن يمارسوا ضغطاً تأويلياً لا هوادة فيه, وأن يطلقوا العنان لأفكارهم لتجوب كل الآفاق.

التأويلات المتطرفة والمعتدلة كثيرة, إلا أنها في كلا الحالتين لم تخلف أي أثر يذكر حسب كالر. غير مقنعة ومليئة بالحشو ومملة. أما إذا كانت قصوى فإنها ستحظى بمزيد من الإهتمام وسستكون لها القدرة على الكشف عن العلاقات والترابطات التي لم يُكشف عنها من قبل, أو التي لم يُفكر فيها من قبل. إنها علاقات وترابطات ما كان من الممكن الحصول عليها لو بقي التأويل في حدوده الدنيا. التأويل المضعاف أكثر أهمية من غيره, ويعد الأصلح من التأويل الأدنى أو المعتدل. يقول كالر: لا يمكن لإنسان لم يعشق بعمق جاذبية التأويل المضاعف أن يكون قادراً على خلق شخصيات, وخلق ذلك الهوس التأويلي الذي يسكن رواياته – يقصد إيكو -.

كنت قد قرأت اسم الوردة قبل سنتين من الآن, بترجمة المترجم المميز أحمد الصمعي, وإصدار دار أويا. وأعدت قراءة الرواية من جديد بعد أن استوعبت ولو قليلاً أفكار إيكو حول التأويل, وكيف يتم تحويل قطعة أدبية إلى مجال خصب لنثر الأفكار النقدية. لن أفسر عن ماذا تحكي الرواية, أترك هذا المجال للقارئ لكي يكتشف ذلك بنفسه, ولكن أتوقف عند عنوان الرواية الملفات للإنتباه. العنوان هو أحد المفاتيح التأويلية الأولى للنص. أكثر العناوين إثارة لاحترام القارئ حسب إيكو هي تلك التي يتم تكثيفها في اسم دال على البطل :ديفيد كوبرفيلد, أو روبنسون كروزو. وحتى في هذه الحالة فإن الاسم/العنوان يمكن أن يؤول على أنه تدخل مبالغ فيه من لدن المؤلف. إن العنوان يجب أن يشوش على الأفكار لا أن يقولبها.

الرواية كانت انعكاساً إبداعيا لفلسفة الرمز و نظريات التأويل من خلال معرفة تفصيلية بأدبيات القرون الوسطى. وذلك يظهر بقول الراوي نفسه في ختام الرواية بأن اسم الوردة عمل مفتوح, وبإمكان كل قارئ مهما كان انتسابه أن يجد فيها صورة من نفسه وعالمه. أي بما معنى أن الرواية لاتقص في حقيقية الأمر إلا مايجري من حولنا. بينما الوقائع التاريخية المذكورة في الرواية والجرائم والمتاهة المذكورة في الرواية لاتعدو أن تكون رموزاً ينبغي فك أسرارها وفهم دلالاتها.

بالتأكيد, ليس من حق المؤلف أن يؤول. ولكن من حقه أن يحكي لماذا وكيف كتب ما كتب. انطلقت فكرة كتابة الرواية لدى إيكو من فكرة بسيطة: تسميم راهب. أتمنى أن يقرأ بعض الكتاب السعوديين كيفية تحويل نتاج القراءة لديهم إلى مصدر يستمدون خلاله القوة الدافعة لإنتاج نص سردي قوي ومحكم. حين أقرأ تفاصيل كتابة الرواية لدى إيكو في حاشية على اسم الوردة للمؤلف, أعرف أن المؤلف قضى وقتاً طويلاً لإعداد تفاصيل حية تجعل النص وكأن القارئ يشاهد فيلماً سينمائياً.

يقول إيكو في حاشية على اسم الوردة : إن القرون الوسطى ظلت حاضرة في ذهني إن لم يكن ذلك كمهنة، فإنها ظلت هوايتي المفضلة. إنها غوايتي الدائمة، فهي حاضرة بوضوح في كل شيء، أراها في الأشياء التي أهتم بها والتي لا تبدو في الظاهر أنها تنتمي إلى القرون الوسطى إلا أنها كذلك في العمق. يجب بناء هذا العالم، وستأتي الكلمات فيما بعد من تلقاء نفسها، فامتلاك الأشياء سابق على وجود الكلمات، وهو عكس ما يحدث في الشعر حيث امتلاك الكلمات سابق على امتلاك الأشياء. قضيت السنة الأولى من العمل في بناء هذا العالم : لائحة طويلة من الكتب التي يمكن العثور عليها في خزانة قروسطية، لائحة من أسماء وشهادات ميلاد لمجموعة من الشخصيات التي سأقوم فيما بعد باستبعاد مجموعة كبيرة منها, ذلك أنه كان علي أن أعرف من هؤلاء الرهبان الذين لن يظهروا في الكتاب، ولم يكن من الضروري أن يتعرف عليهم القارئ ولكن كان علي أن أعرفهم. من قال إن السردية في حاجة إلى شهادات ميلاد؟ ربما هي في حاجة إلى وزارة للتعمير أيضا، وهذا ما يفسر الأبحاث الكثيرة التي قمت بها حول المعمار، في الصور وفي الموسوعة المعمارية، وذلك من أجل تحديد تصميم الدير وكذا المسافات، بل وصل الأمر إلى تحديد عدد درجات السلم اللولبي. ولقد قال أحد النقاد إن حواراتي كانت سينيماتوغرافية لأنها كانت صحيحة من الناحية الزمنية. ولقد كان الأمر كذلك فعلاً. فعندما كنت أصور شخصيتين تتجاذبان أطراف الحديث وهما تقطعان المسافة الفاصلة بين المطعم والرواق، كنت أكتب والتصميم أمام عيني. وهكذا فعندما يصلان إلى الرواق يكون الحوار قد انتهى. يجب أن نقيد أنفسنا بإرغامات لكي نبدع بحرية. إن الإرغامات في الشعر وليدة الشطر والبيت والقافية، أي ما سماه المعاصرون بالهمس عن طريق الأذن. أما في السرد، فإن الإرغامات متولدة عن عالم ضمني، ولا علاقة لهذا بالواقعية, حتى وإن كان هذا يشرح ذلك إلى حدود الواقعية. فبإمكاننا أن نبني عالماً لا واقعياً بشكل كلي حيث الحمير تطير وتبعث الأميرات بفضل قبلة. ولكن على هذا العالم المحتمل فقط واللاواقعي أن يوجد وفق بنيات محددة منذ البداية. يجب التأكد هل يتعلق الأمر بعالم تبعث فيه الأميرة بفضل قبلة أمير أم قبلة ساحرة. ولقد شكل التاريخ أيضا جزءا من عالمي، وهذا ما جعلني أقرأ وأعيد قراءة الوقائع القروسطية. وأثناء قراءتي لهذه الوقائع تبين لي أن علي أن أدخل إلى عالمي أشياء لم تخطر لي على البال أبدا. مثال ذلك النضال من أجل الفقر أو المحاكم الدينية ضد الهرطوقيين.

كرواية بوليسية مشوّقه تمضي على عدة مستويات من الاغتيالات المتسلسلة حسب سفر الرؤيا. و كرواية تاريخية وفلسفية مشوقة تفتح المجال لمعرفة الكثير عن الحركات المسيحية القديمة وتاريخ الهراطقة الشهير في التاريخ المسيحي. وعن قرارات مجمع بروجيا وحركة دولتشينو الهرطيقي الذي عُذب تعذيباً شديداً في القرون الوسطى بعد اتهامة بالخروج عن التقاليد المسيحية, وارتكبت في حق جماعته أكبر مذبحة عرفها تاريخ الصراعات المسيحية. ولاينتهي الحديث عن الرموز إبتداءً بلغة الجواهر, والحديث عن الطبيعة والكون وضحك المسيح, وانتهاءً بالحوار الذي دار بين جماعتين في الدير عن فقر المسيح, وغنى المسيحية والصراعات الدائر بين الامبراطور والبابا. إذاً نحن أمام كتاب ضخم وروائي فذ, يجعلك تغوص في بحر الرواية بحثاً عن أجوبة مشتتة عن الكتاب السري, عن القاتل, عن المكتبة, عن التاريخ, ومن ثم يطير بك في فضاءات شاسعة من العلوم و الآداب ليلقي بك أخيراً على شاطئ مقفر لنهاية غير متوقعه مرهقاً ومثقلاً بكمٍ هائل من المعلومات.

قارئ اسم الوردة يحتاج لصبر كبير حتى يجتاز أو مائتي صفحة من الرواية. كان هناك مطالبات من قبل الناشر لأُمبرتو إيكو بحذف المائة صفحة الأولى لأنها مرهقة ومتعبة, وكان الجواب قوبل بالرفض القاطع: ” كانت حجتي أن من يرغب في الدخول إلى الدير والمكوث به سبعة أيام، عليه أن يتحمل هذا الإيقاع. وإذا لم يكن ذلك في استطاعته، فإنه لن يتمكن من قراءة الكتاب في كليته. والحاصل أن وظيفة المائة صفحة الأولى كانت امتحاناً واستئناساً. ولا أبالي بالذين لا يحبون ذلك، إنهم سيقفون عند بداية الهضبة”

لعل المفارقة الأكبر في تجسيد هذه الرائعة الإيطالية للفيلسوف الإيطالي أُمبرتو إيكو, أن شهرة الفيلم كانت هي البوابة الأولى لشهرة الرواية لدى الجمهور العادي الغير مهتم بكتابات إيكو السيميائية. الرواية كانت معروفة لدى الطبقة الأكاديمية المثقفة و كانت صدمة للأوساط الأكاديمية ظهور رواية لشخص مختص بعلم الرموز, و حاصل على أستاذية الفلسفة عن جماليات القديس توما الأكويني في القرون الوسطى. الفيلم هنا كان مساعداً بشكل رئيسي في شهرة الرواية, و لكن هل كان الفيلم مطابقاً للرواية, كما كتبها أُمبرتو أُيكو؟

من الصعب القول أن كل ما في الرواية تم ذكره, هناك أحداث و أفكار لا يمكن لها أن تجسد سينمائياً, خصوصاً في حقول الفلسفة و التاريخ و علم الرموز و الجماليات, رغم أن الفيلم نجح قليلاً في اقتباس الفكرة الأكثر تأثيراً من الرواية, وهي المتعلقة خصوصاً بضحك المسيح, و تطرف الأب يورغ الأعمى في حفظ كتاب فن الشعر لأرسطو. الفصل الأخير من الرواية تم تجسيده في الرواية ببراعة, وهي الخاصة بحريق المكتبة الأكثر شهرة و ثراءً في العالم. الممثل شون كونري برع تماماً في تأدية دور المحقق الفرنشسكاني غوليالمودا, و كذلك الممثل كريستيان سلاتر أبدع في تمثيل دور الراهب المبتدئ أدسو. لكن الاكثر براعة في التمثيل, في تطرفه و حماقاته في الرواية هو دور سيلفاتوري الذي جسده الممثل رون بيرلمان. كان رائعاً رغم كمية القرف التي تحيط به وهو يجسد دور الراهب المختبئ من اضطهاد رجال الدين.

بالتأكيد الرواية تأتي في المقام الأول لجمالها و كمية المعلومات التاريخية و الفلسفية التي طرحها إيكو, و الفيلم لم يكن مطابقاً للرواية, و لكن كان يستحق المشاهدة. وكان رائعاً على أية حال.

السيميائية

الكتاب : أسس السيميائية
المؤلف : دانيال تشاندلر
إصدار : المنظمة العربية للترجمة

ماهي السيميائية؟ وماهي أسس هذا العلم؟
من قرأ يوماً مقالة أو رواية للمفكر والروائي الإيطالي أُمبرتو إيكو سيجد أن هذا المصطلح يحتل حيزاً كبيراً من أعماله الفكرية والأدبية. في رواية اسم الوردة تبدأ الرواية بتمرين سيميائي, حيث يؤول المحقق الفرنشسكاني غوليالمودا علامات مختلفة للإستدلال منها على حادثة لم يكن حاضراً فيها, وهي فرار جواد رئيس الدير, ويتضح من خلال شرح الإستراتيجية التي اتبعها أن العلامات تكون محملة بعدة معان إذا ما كانت موجودة مسبقاً في تجربة الشخص, أو إذا ما كان لها مقام يوافقها في المعرفة الموسوعية للشخص, وأن علامة ما قد تكون عديمة المعنى إذا ما كانت لوحدها, أي منعزلة عن شبكة العلامات المحيطة بها. إذا تم ربط العلامة في علاقة مع علامات أخرى, قد تنتمي إلى أنظمة سيميائية مختلفة, وتصبح ثرية بالمعاني وقابلة لأن تؤول. بينما لم ينتبه بطل رواية اسم الوردة الراهب المبتدئ أدسو إلى وجود علامات وآثار الوبر الأسود والآثار على الثلج والغصن المكسر, انتبه غوليالمودا لوجود هذه العلامات ووضعها بحكم تجربته في علاقاتها المتبادلة ليستدل منها على مرور جواد, وعلى خاصية ذلك الجواد من لون وقامة ورشاقة, ثم تكهن بمالكه, واسمه, وبالوجهه التي اتخذها من خلال علامات أخرى تتماشى مع العلامة الأولى.

المحقق في الجريمة, سواءً كان غوليالمودا أو روبرت لانغدون بطل دان براون الشهير, ينطلق من فرضية اعتماداً على العلامات التي اكتشفها, ثم يتأكد من صحة تخمينه عند معاينة الأمر الواقع. كما حصل لروبرت لانغدون عندما شاهد علامة المتنورون تخرج من الفاكس, وهو الذي تناسى هذه الجماعة ولم يفكر يوماً بأنها سوف تعلن عن نفسها عندما يتم قتل أحد العلماء الفيزيائيين في بداية رواية ملائكة وشياطين.

يقول غوليالمودا لأدسو في رواية اسم الوردة: كنت مستعداً لتقبل كل أجناس الخيول, لا لإتساع إدراكي ولكن لضعف حدسي. لم أشف غليلي من المعرفة إلا عندما رأيت ذلك الجواد بالذات يقوده الرهبان من لجامه. عندها فقط تحققت من أن تخميني الأول قادني قريباً من الحقيقة. وهكذا كانت الأفكار التي خطرت لي في البداية, تصور جواداً لم أره من قبل, كانت دلالات بحته, كما كانت الآثار فوق الثلج دلالات لمفهوم جواد: نحن نستعمل الدلالات, ودلالات الدلالات فقط عندما تنقصنا الأشياء.

في مدخل كتاب أسس السيميائية, يطرح المحاضر بجامعة أبيريستويث دانيال تشاندلر عدة تعاريف للسيميائية, وأقصر وأشهر تعريف للسيميائية هو: دراسة الإشارات. وأحد أوسع التعريفات للسيميائية في الوقت الحاضر هو تعريف أُمبرتو إيكو: تعنى السيميائية بكل ما يمكن اعتباره إشاره. لكن ما هي الإشارات؟ لا يتعلق الأمر بإشارات السير ولا بالنجوم باعتبارها إشارات. بل يتعدى ذلك إلى كل شيء: تشمل الكلمات والأصوات ولغة الجسد واللوحات و النصوص, وكل ما ينوب عن شيء آخر. يقول بيرس: أنه لكي يصبح أي شيء إشارة يجب أن يفسر على أنه إشارة. وأي شيء يمكن أن يصبح إشارة, شرط أن يعتبر أحدنا أنه يعني أمراً, أي يحيل إلى شيء آخر أو ينوب عنه. هذا الإستخدام الدلالي للإشارات هو الموضوع الأساس في السيميائية.

ظهرت النظريات عن الإشارات عبر تاريخ الفلسفة منذ القدم وحتى أيامنا. وردت أول إشارة بينة إلى السيميائية باعتبارها فرعاً من فروع الفلسفة في مؤلف جون لوك: مقالة في الطبيعة البشرية. ولكن التقليدين الأساسيين في السيميائية المعاصرة مصدرهما السويسري درينان دو سوسور, والأمريكي تشارلز ساندرز بيرس. بالنسبة إلى سوسور السيميائية هي علم يدرس دور الإشارات كجزء من الحياة الإجتماعية, أما بالنسبة إلى بيرس, فالسيميائية هو الدستور الشكلي للإشارات, مما يقربها من المنطق. هناك عدة فروقات بين نموذج سوسور السيميائي, ونموذج بيرس. نموذج سوسور يحدد الإشارة بأنها تتكون من دال و مدلول, كلاهما نفسي محض, وتسمى العلاقة بين الدال والمدلول بالدلالة. مثال على هذا النموذج : كلمة ادفع على باب محل. كلمة ادفع هي الدال, أما المدلول فهو المفهوم الذي تولده هذا الكلمة: بمعنى أن المحل مفتوح للبيع والشراء وليس مغلقاً. أما نموذج بيرس فهو يتكون من ثلاث: من الشكل الذي تتخده الإشارة, ويسمى بالمُمثل, والمعنى الذي تحدثه الإشارة, ويسمى بتأويل الإشارة, والمرجع إليه, ويسمى بالموجودة. المُمثل شبيه في معناه بالدال عند سوسور, والتأويل شبيه بالمدلول, لكن يملك التأويل صفة لا توجد في المدلول: إنها إشارة في فكر المؤول. لا يمكن لمقال صغير أن يشرح هذه التقسيمات بين صفوف السميائيين, لمن يريد المعرفة أكثر, والقراءة عموماً عن السيميائية يجب أن يقرأ كتاب تشاندلر لأنه يؤسس لقاعدة فكرية مميزة عن السيميائية بطريقة جذابة ومبتكرة.

كقارئ احتل تركيزي الفصل الأخيرة من الكتاب, والمعنون بالتفاعل النصي. وتحديداً جزئية التناص. يرتبط مفهوم التناص السيميائي الذي استحدثته جوليا كريستيفيا بالدرجة الأولى بمنظري ما بعد الحداثة. تتحدث كريستيفيا عن النصوص باعتبارها تتضمن محورين: الأول أفقي يربط بين مؤلف النص وقارئه, والثاني عمودي بين النص والنصوص الأخرى. ويجمع بين المحورين شيفرات مشتركة, بحيث يستند كل نص وكل قراءة إلى شيفرات معروفة مسبقاً. تقول كريستيفيا : إن كل نص خاضع منذ البداية لتشريع خطابات أخرى تفرض عليه عالماً منا. تعتبر أننا بدل أن نحصر اهتمامنا في دراسة بنية لنص, يجب علينا أن ندرس عملية بنائه, عن الكيفية التي دخلت فيها هذه البنية حيز الوجود, يستلزم ذلك وضعها ضمن مجمل النصوص التي سبقته أو تزامنت معه.

ماهو أكثر اهتزازاً لبنية النص هي أراء رولان بارت, الفيلسوف الفرنسي والمنظر السيميائي المعروف, صاحب فكرة موت الكاتب, وولادة القارئ. يطرح منظروا التناص إشكالية حقيقة التأليف, فيعتبرون مثلاً كاتب النص منظم ما يطلق عليه رولان بارت “ماسُبق وكُتب”, ولا يعتبرونه واضعه : النص .. مساحة متعددة الأبعاد تختلط فيها عدة كتابات وتتواجه, ليس أي منها مُبتكراً. النص مزيد من الإقتباسات .. لا يتستطيع الكاتب سوى تقليد إيماءة سابقة, وليست أبداً مبتكرة, وتقتصر مقدرته على خلط الكتابات ومواجهتها مع بعضها بطريقة لا يركن فيها إلى أي منها.

في كتاب رولان بارت S/Z يفكك بارت قصة لبلزاك ويسعى إلى الكشف عن غياب الإبتكار فيها, وعن أنها تعكس عدة أصوات وليس فقط صوت بلزاك. وعلى هذا المنوال من التفكيك في بنية النص يرى المنظرون السيميائيون أن النصوص تصل إلينا باعتبارها دائماً الذي سبق وقرأناه. نتناولها من خلال تكدس طبقات من التفسيرات السابقة. يملك النص المشهور تاريخ قراءات. تعيد المجتمعات ولو بشكل غير واع كتابة جميع الأعمال التي تقرؤها. لا يتستطيع أحد اليوم أن يقرأ رواية أو قصيدة مشهورة, أو أن ينظر إلى لوحة أو رسم, أو أن يستمع إلى قطعة موسيقية أو يشاهد فيلماً, حتى لو كان يفعل ذلك للمرة الأولى من دون أن يعي السياقات التي أعيد فيها انتاج النص, أو استوحى منها, أو ألمح إليها. تشكل هذه السياقات إطاراً أولياً لا يمكن أن يتحاشى القارئ الاستيحاء منه في تفسيره النص.

يقول فوكو في كتاب أركيولوجيا المعرفة : ليست حدود الكتاب أبداً واضحة المعالم. هي تتجاوز العنوان والسطور الأولى ونقطة التوقف الأخيرة والترتيب الداخلي والشكل المستقل. إنه يدخل في منظومة من الإرجاعات إلى كتب ونصوص أخرى. إنه عقدة في شبكة, ليس هو فقط الموجودة التي نمسكها بين يدينا .. وحدته متغيرة ونسبية.

هناك سؤال مهم يطرحه دانيال تشاندلر, وأعتقد بأن كل قارئ سوف يطرح هذا السؤال: ماهي فائدة السيميائية؟ وما أهمية هذا الفرع من الفلسفة. أحد النقاد وصف السيميائية ببراعة: تخبرنا السيميائية عن أشياء نعرفها, لكن بلغة لن نفهمها أبداً. هذا واقع, وأنا أقرأ كتاب دانيال أعرف الفكرة المطروحة, ويستطيع أي قارئ أن يتقبلها, لكن ما إن تتوسع في القراءة حتى تجد مصطلحات وأفكار وتقسيمات متشعبة مطروحة بلغة لا يفهمها إلا أصحاب نادي معين, هو نادي السيميائية.

يجيب تشاندلر على السؤال المطروح, بأن السيميائية نتعلم منها أننا نعيش في عالم من الإشارات, لا يمكننا فهم أي شيء إلا بواسطة الإشارات والشيفرات التي تنظمها. عند دراسة السيميائية نعي أن هذه الإشارات والشيفرات تكون شفافة وتُخفي أننا نقوم بقراءتها, ولأننا نعيش في عالم تتزايد في الإشارات المرئية, نحتاج أن ندرك أنه حتى الإشارات الأكثر واقعية ليست كما تبدو: إن الإستغناء عن دراسة الإشارات يعني أننا نترك للآخرين التحكم بعالم المعاني الذي نعيش فيه.

Older Posts »